رصد المغرب
شكل الانسحاب الغربي من أفغانستان سنة 2021 لحظة مفصلية في تاريخ حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ليس فقط بسبب نهايته الدراماتيكية، بل لأنه كشف حدود القوة العسكرية الغربية وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول جدوى التدخلات الخارجية طويلة الأمد. فبعد قرابة عشرين عاما من الوجود العسكري المكثف، انتهت المهمة بعودة حركة طالبان إلى السلطة وانهيار الدولة الأفغانية التي أنفقت الولايات المتحدة وحلفاؤها مليارات الدولارات لبنائها.
تعود جذور هذا التحول إلى سنوات سبقت الانسحاب الفعلي. ففي أحد اللقاءات التي جمعت الأمين العام للناتو ينس ستولتنبرغ بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب سنة 2019، طرح الأخير سؤالابسيطا لكنه عكس توجها استراتيجيا جديدا في واشنطن: لماذا نحن في أفغانستان؟ وعندما جاء الجواب بأن الهدف هو مكافحة الإرهاب الدولي، رد ترامب متسائلا عما إذا كان على الولايات المتحدة أن تنشر قواتها في كل دولة يوجد فيها إرهابيون. كان هذا السؤال مؤشراً على تزايد القناعة داخل الإدارة الأمريكية بأن استمرار الحرب لم يعد يحقق مكاسب تتناسب مع تكلفتها البشرية والمالية.
ورغم أن ستولتنبرغ ظل لفترة طويلة مقتنعا بأن تكلفة الانسحاب تفوق تكلفة البقاء، فإن التطورات الميدانية والتقارير الاستخبارية بدأت تقوض هذه القناعة. فقد كشفت الإحاطات المقدمة من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية عن واقع أكثر قتامة مما كانت تعكسه التقارير العسكرية الرسمية. فالجيش الأفغاني كان يعاني من ضعف القيادة والفساد وارتفاع معدلات الفرار من الخدمة، بينما واصلت طالبان تعزيز نفوذها وقدراتها العسكرية والسياسية.
في هذا السياق، جاءت اتفاقية الدوحة الموقعة سنة 2020 بين الولايات المتحدة وحركة طالبان لتشكل نقطة تحول حاسمة. ورغم أن دول الناتو كانت شريكا أساسيا في الحرب، فإنها لم تشارك فعليا في صياغة الاتفاق. وعندما دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ، تبين أنها لا تنظم فقط انسحاب القوات الأمريكية، بل تشمل أيضا جميع قوات الحلف. وبذلك وجدت دول الناتو نفسها أمام قرار استراتيجي اتخذته واشنطن نيابة عنها، ما عكس حجم الاعتماد الأوروبي على القيادة الأمريكية داخل الحلف.
ومع اقتراب موعد الانسحاب، أصبحت الرسالة الأمريكية أكثر وضوحا: القرار نهائي ولا رجعة فيه. فقد أبلغ قادة الناتو خلال اجتماعات خاصة أن الرئيس ترامب فقد صبره ويريد إنهاء الحرب بأي ثمن. والأكثر إثارة للقلق أن العديد من الشروط التي كانت واشنطن تعتبرها ضرورية للانسحاب، مثل التزام طالبان بالمفاوضات أو وقف الهجمات أو قطع الصلات بتنظيم القاعدة، لم تعد شرطا أساسيا لتنفيذ الاتفاق.
أثار هذا المسار مخاوف واسعة بين الحلفاء الأوروبيين. فقد رأى رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي أن ما يجري قد يكون من الأفضل وصفه بصراحة بأنه “هزيمة”، بينما عبّرت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عن استيائها معتبرة أن المستفيد الأكبر من الانسحاب هما روسيا والصين. أما داخل أفغانستان نفسها، فقد شعر المسؤولون الأفغان بأنهم تُركوا لمصيرهم. وعندما حاول ستولتنبرغ طمأنة الرئيس الأفغاني أشرف غني باستمرار الدعم السياسي والأمني، جاء الرد من نائبه أمر الله صالح معبرا عن حجم الصدمة: (لقد تركنا وحدنا، لقد هزم الجهاديون حلف الناتو).
ورغم أن معظم التقديرات الاستخبارية كانت تتوقع انتصار طالبان في نهاية المطاف، فإنها افترضت أن الحكومة الأفغانية ستتمكن من الصمود لأشهر إضافية على الأقل. إلا أن الأحداث تسارعت بشكل غير متوقع، فانهارت الولايات والمدن الواحدة تلو الأخرى، قبل أن تسقط كابول في أغسطس 2021 خلال أيام معدودة. هذا الانهيار السريع كشف هشاشة المؤسسات التي جرى بناؤها طوال عقدين من الزمن، وأظهر أن الدولة الأفغانية كانت تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم العسكري والمالي الخارجي.
لقد اعتبرت شخصيات سياسية غربية عديدة أن مشاهد الانسحاب والفوضى التي رافقته تمثل واحدة من أكبر الإخفاقات الاستراتيجية للغرب منذ عقود. فالحرب التي بدأت تحت شعار مكافحة الإرهاب انتهت بعودة الحركة نفسها التي أُطيح بها سنة 2001. كما أثارت التجربة تساؤلات عميقة حول فعالية مشاريع بناء الدول بالقوة العسكرية وإمكانية فرض نماذج سياسية من الخارج في مجتمعات تعاني من تعقيدات تاريخية واجتماعية وثقافية عميقة.
وفي تقييمه النهائي للتجربة، خلص ينس ستولتنبرغ إلى أن الناتو وقع ضحية سردية مفرطة في التفاؤل، أوحت لسنوات بأن الأوضاع تتحسن وأن المؤسسات الأفغانية تزداد قوة واستقرارا. غير أن الواقع كان مختلفا تماما، إذ جرى التقليل من شأن نقاط الضعف البنيوية داخل الدولة الأفغانية ومن قدرة طالبان على الصمود والتوسع. ومن ثم أصبحت أفغانستان درساً قاسيا للحلف، مفاده أن النجاح العسكري لا يضمن النجاح السياسي، وأن أي تدخل خارجي مستقبلي يجب أن يستند إلى أهداف واقعية ومحددة، وإلى فهم دقيق للحدود الفعلية للقوة العسكرية في إعادة تشكيل المجتمعات والدول.
وهكذا لم يكن سقوط كابول مجرد نهاية لحرب طويلة، بل كان أيضا إعلانا عن نهاية مرحلة كاملة من التفكير الاستراتيجي الغربي الذي ساد بعد أحداث 11 سبتمبر، وفتح الباب أمام مراجعات عميقة لمفهوم التدخل العسكري وأهدافه وحدود تأثيره.
شارك المقال























Leave a Reply