رصد المغرب / عبدالله السعدي
يعيش ملايين المغاربة المقيمين بالخارج علاقة معقدة مع وطنهم الأم. فمن جهة، لا تتوقف الدولة عن التأكيد على أهمية دورهم الاقتصادي والاجتماعي، وتشيد بمساهماتهم في التنمية من خلال تحويلاتهم المالية واستثماراتهم. ومن جهة أخرى، يشعر كثير منهم بأن حضورهم السياسي يظل محدودا، وأن صوتهم لا يحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به أموالهم.
هذه المفارقة تخلق لدى عدد كبير من مغاربة العالم إحساسا بالاغتراب. فمع مرور السنوات، يتسلل إليهم سؤال وجودي عميق، وهو هل ما زلت أنتمي فعلا إلى هذا الوطن؟ ورغم أن الانتماء قد يبدو مسألة قانونية تحددها الوثائق الرسمية، فإنه في حقيقته شعور إنساني يتغذى من المشاركة والاعتراف المتبادل.
وفي هذا السياق، يصبح العزوف عن التسجيل في اللوائح الانتخابية أكثر من مجرد إهمال إداري أو تأجيل مؤقت. فهو يعكس أحيانا قناعة متنامية بأن المشاركة السياسية لا جدوى منها ما دام صاحبها يعيش خارج حدود الوطن. وقد ترسخت هذه الفكرة لدى أجيال من المغاربة المقيمين بالخارج حتى تحولت إلى نوع من الاستسلام الصامت للواقع القائم.
غير أن عدم التسجيل يحمل في طياته رسالة مختلفة تماما، فهو يعني بشكل غير مباشر، القبول بمعادلة غير متوازنة ترحب بالمواطن باعتباره مصدرا للتحويلات المالية، دون أن تلزم المؤسسات بأخذ صوته السياسي بعين الاعتبار. وفي المقابل، يمثل التسجيل في اللوائح الانتخابية موقفا رمزيا ومواطنا في آن واحد. إنه إعلان واضح بأن المواطنة لا تقاس بمكان الإقامة، بل بالانتماء والمشاركة في الشأن العام.
صحيح أن النظام الانتخابي الحالي لا يزال يواجه عدة نقائص فيما يتعلق بمشاركة مغاربة العالم. فلا توجد بعد دوائر انتخابية مخصصة لهم، ولا إمكانية للتصويت المباشر داخل القنصليات أو من بلدان الإقامة. كما يظل التصويت مرتبطا بالجماعات الترابية داخل المغرب، سواء بالحضور الشخصي أو عبر الوكالة. وهي ترتيبات لا تستجيب بالكامل لتطلعات ملايين المواطنين المنتشرين عبر العالم.
لكن انتظار نظام انتخابي مثالي قبل الانخراط في العملية السياسية قد يؤدي إلى نتيجة عكسية. فضعف التسجيل والمشاركة يجعل من السهل تجاهل مطالب الجالية المغربية بالخارج. أما عندما تتحول هذه الفئة إلى قوة انتخابية حقيقية وكتلة مواطنة منظمة، فإن مطالبها المتعلقة بتوسيع الحقوق السياسية ستكتسب وزنا أكبر وقدرة أكبر على التأثير.
إن التسجيل في اللوائح الانتخابية ليس دعما لحزب أو مرشح بعينه، بل هو دفاع عن مبدأ أساسي، وهو الحق في المواطنة الكاملة. إنه تأكيد على أن المغربي المقيم بالخارج ليس مجرد زائر موسمي، ولا مجرد مساهم اقتصادي، بل مواطن له الحق في أن يسمع صوته وأن يشارك في رسم مستقبل بلده.
لذلك، فإن اغتنام فترة مراجعة اللوائح الانتخابية والتأكد من التسجيل فيها يمثل خطوة بسيطة من الناحية الإجرائية، لكنها عميقة الدلالة من الناحية الرمزية والسياسية. إنها فرصة لتجديد العلاقة مع الوطن بصيغة الحاضر لا الماضي، وللتأكيد على أن المواطنة ليست ذكرى نحملها معنا أينما ذهبنا، بل ممارسة حية تبدأ من أبسط الحقوق وأكثرها أساسية، التسجيل والتصويت.
للتذكير نهاية فترة التسجيل هو يوم 13 يونيو 2026
شارك المقال























Leave a Reply