الرحامنة بين تاريخ المواجهة وسياسات الإخضاع

رصدالمغرب / عبد الهادي المزراوي


ليست الأرض مجرد وعاء جغرافي، بل هي ذاكرة وهوية وامتداد للذات الجماعية. وحين تنتزع الأرض، لا يسلب العقار فقط، بل يقتلع جزء من التاريخ ومن الإحساس بالكرامة. هذا ما يجعل ما تعيشه قبيلة الرحامنة اليوم يتجاوز كونه نزاعا عقاريا أو إشكالا تنمويا، ليغدو مسألة سياسية-تاريخية عميقة الجذور، تعيد طرح سؤال العلاقة بين الدولة ومجالاتها القبلية، بين الذاكرة السلطانية وممارسات الحاضر.

لقد ارتبط اسم الرحامنة في التاريخ المغربي بسردية مركبة: قبيلة قوية، متمردة أحيانا، ومندمجة أحيانا أخرى في منطق المخزن. لم تكن العلاقة يوما مستقرة أو بسيطة، بل قامت على شد وجذب، على منطق الطاعة والتمرد في الآن ذاته. هذه الذاكرة لا تموت، بل تخزن في البنية العميقة للعلاقة بين المركز والهامش.

اليوم، ومع توسع المشاريع الاستخراجية، وعلى رأسها استغلال الفوسفاط، تعود هذه العلاقة إلى الواجهة بشكل أكثر حدة. فالأرض التي كانت بالأمس مجال عيش واستقرار، تحولت إلى موضوع انتزاع باسم (المنفعة العامة) أو (الاستثمار الاستراتيجي). غير أن الإشكال لا يكمن فقط في مبدأ الانتزاع، بل في كيفيته: أثمان تعتبر زهيدة مقارنة بالقيمة الحقيقية للأرض، وإجراءات إدارية تفتقر إلى الشفافية، وغياب عقود واضحة تحفظ كرامة المالك وتشعره بأنه طرف في علاقة تعاقدية، لا مجرد متلق لتعويض يعرض عليه عبر ورقة بنكية.

الأخطر من ذلك هو الإحساس المتنامي لدى الساكنة بأنهم يعاملون كما لو كانوا غرباء عن أرضهم، أو كما لو أن ملكيتهم موضع شك ضمني. هذا الإحساس لا يبنى فقط على الوقائع المادية، بل على الرمزية المصاحبة لها: طريقة التواصل، غياب الحوار، والشعور بأن القرار يفرض من أعلى دون اعتبار للذاكرة المحلية أو للكرامة الجماعية.

في هذا السياق، يصبح استدعاء التاريخ أمرا حتميا. ليس لأن الماضي يفسر كل شيء، ولكن لأن الذاكرة الجماعية تعيد تأويل الحاضر من خلاله. حين يشعر أبناء الرحامنة أن ما يحدث اليوم هو امتداد لعلاقة غير متكافئة تعود إلى زمن المواجهة مع المخزن، فإننا أمام أزمة ثقة عميقة، لا مجرد خلاف حول التعويضات.

المفارقة المؤلمة هي أن الدولة، التي تسعى إلى تحقيق التنمية واستثمار الثروات، قد تجد نفسها – دون وعي أو قصد – تعيد إنتاج أنماط من الإقصاء الرمزي، تضعف انخراط المواطنين بدل أن تعززه. فالتنمية التي تبنى على الإكراه أو الإحساس بالظلم، مهما كانت مبرراتها الاقتصادية، تظل هشة من الناحية الاجتماعية والسياسية.

إن ما يحدث في الرحامنة يطرح أسئلة جوهرية: هل يمكن تحقيق تنمية حقيقية دون إشراك فعلي للسكان؟ هل يمكن الحديث عن المنفعة العامة دون عدالة في التقدير والتعويض؟ وكيف يمكن للدولة أن تدير مواردها الاستراتيجية دون أن تفقد مواطنيها الإحساس بالإنصاف والانتماء؟

الجواب لا يكمن فقط في مراجعة المساطر القانونية، بل في إعادة بناء الثقة. وهذه الثقة لا تشترى، بل تبنى عبر الشفافية، الحوار، والاعتراف الصريح بأن الأرض ليست مجرد رقم في معادلة اقتصادية، بل هي جزء من كرامة الناس.

في النهاية، ما يجري ليس مجرد قصة أرض تنتزع، بل قصة ذاكرة تستفز، وكرامة تختبر. وبين منطق الدولة ومنطق القبيلة، يظل السؤال معلقا: هل نحن أمام مشروع تنموي يفتح أفق المستقبل، أم أمام إعادة إنتاج صامتة لندوب الماضي؟

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *