رصد المغرب / (ملخص محاضرة للأستاذ مصطفى زاهر رئيس المحكمة الإدارية بمراكش)
مقدمة
لقد كرس الدستور المغربي لسنة 2011 حماية فعالة للحقوق والحريات من خلال ما نص عليه الفصل 118، الذي أكد أن حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه ومصالحه التي يحميها القانون. كما أتى هذا الفصل بمستجد مهم يتمثل في إمكانية الطعن أمام القضاء المختص في جميع القرارات الإدارية، سواء كانت تنظيمية أو فردية، وهو ما وضع حداً لبعض المقتضيات القانونية التي كانت تنص صراحة على عدم قابلية بعض القرارات للطعن. وبذلك أصبحت جميع القرارات الإدارية، بعد دخول دستور 2011 حيز التنفيذ، قابلة للطعن بالإلغاء متى توفرت شروط ذلك.
ومن المستجدات الدستورية كذلك ما نص عليه الفصل 121 من أن التقاضي مجاني في الأصل. وتندرج دعوى الإلغاء ضمن الدعاوى المعفاة من الرسوم القضائية، غير أن الرجوع إلى القانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية يكشف عن وجود مجموعة من الشروط والإجراءات الواجب احترامها عند مباشرة هذه الدعوى. وفي المقابل، حرص المشرع على وضع آليات من شأنها تسهيل ولوج المواطن إلى القضاء الإداري للطعن في القرارات التي تمس حقوقه أو مصالحه.
وانطلاقاً من ذلك يثار التساؤل حول الكيفية التي نظم بها القانون مسطرة دعوى الإلغاء، وكيف تعامل القضاء الإداري مع هذه الدعوى. وللإجابة عن ذلك يمكن تقسيم الموضوع إلى محورين: الأول يتعلق بالإجراءات الشكلية لدعوى الإلغاء، والثاني يهم الجوانب الموضوعية المرتبطة برقابة القضاء الإداري على مشروعية القرار الإداري.
المحور الأول: الإجراءات الشكلية لدعوى الإلغاء
بالرجوع إلى القانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية، يتبين أن المشرع وضع مجموعة من الشروط الشكلية الواجب توفرها لممارسة دعوى الإلغاء، سواء ما تعلق منها بالطاعن أو بالمطعون ضده أو بكيفية تقديم الدعوى.
فالمادة الثالثة من القانون المذكور تنص على أن جميع الدعاوى أمام القضاء الإداري ترفع بمقال مكتوب يوقعه محام مسجل بإحدى هيئات المحامين بالمغرب. ويطرح هذا المقتضى تساؤلاً حول إمكانية نيابة محام أجنبي عن أحد الأطراف، وهو أمر تكفل بتنظيمه القانون الخاص بمهنة المحاماة.
واشترط المشرع كذلك أن يتضمن المقال البيانات المنصوص عليها في الفصل 32 من قانون المسطرة المدنية، باعتبار أن المحاكم الإدارية تخضع في إجراءاتها الشكلية لمقتضيات هذا القانون بموجب المادة السابعة من القانون رقم 41.90. ومن بين هذه البيانات هوية المدعي وعنوانه، وعرضاً موجزاً للوقائع، والوسائل القانونية المعتمدة، وكذا الوثائق والمستندات المؤيدة للدعوى، وفي مقدمتها القرار الإداري المطلوب إلغاؤه.
وبمجرد إيداع المقال بكتابة ضبط المحكمة الإدارية، تبدأ الإجراءات القضائية الخاصة بالدعوى، حيث يتم تعيين قاض مقرر يتولى متابعة الملف إلى حين إصدار أمر بالتخلي أو إدراج القضية في الجلسة. وقد جرى العمل في بعض المحاكم الإدارية على تحديد تاريخ الجلسة مباشرة بعد تسجيل الدعوى، مع استمرار القاضي أو رئيس الهيئة في تتبع الإجراءات أثناء انعقاد الجلسات.
أما بخصوص أطراف الدعوى، فإن دعوى الإلغاء تعتبر دعوى عينية تنصب على القرار الإداري ذاته، ولذلك فإن الخصم الرئيسي فيها هو الجهة التي أصدرت القرار المطعون فيه. أما الوكيل القضائي للمملكة، فإن إدخاله في دعوى الإلغاء يبقى اختيارياً، خلافاً لما هو مقرر في بعض دعاوى المسؤولية أو المنازعات المالية. وقد أكدت محكمة النقض أن دعوى الإلغاء توجه أساساً إلى مصدر القرار الإداري، وأن الوكيل القضائي للمملكة لا يعد طرفاً أصلياً فيها وإنما يمثل الإدارة عند الاقتضاء.
ومن بين الشروط الأساسية كذلك إرفاق المقال بنسخة من القرار الإداري المطعون فيه، وهو ما نصت عليه المادة 21 من القانون رقم 41.90. فإذا سبق للطاعن أن تقدم بتظلم إداري، وجب إرفاق الدعوى بنسخة من القرار الصادر برفض التظلم أو بما يثبت تقديمه عند تحقق الرفض الضمني. ويشمل ذلك القرارات الصريحة والقرارات الضمنية على السواء، باعتبارهما قابلين للطعن بالإلغاء.
وقد أكدت محكمة النقض أن الغاية من اشتراط إرفاق القرار الإداري هي التحقق من صدور القرار فعلاً عن الإدارة المعنية، والتأكد من طبيعته ومدى قابليته للطعن القضائي، إذ يشترط في القرار الإداري أن يكون نهائياً وتنفيذياً ومؤثراً في المركز القانوني للطاعن.
وفيما يتعلق بصفة ومصلحة الطاعن، فإن القضاء الإداري توسع في تفسير هذين الشرطين، واعتبر أن الصفة تندمج في المصلحة. فإذا ثبتت مصلحة الطاعن، المادية أو المعنوية أو حتى المحتملة، اعتبرت صفته قائمة. وقد أكدت محكمة النقض أن المصلحة تتحقق كلما كان القرار الإداري مؤثراً بصورة مباشرة في الوضعية القانونية للشخص المعني.
أما بالنسبة لأجل رفع دعوى الإلغاء، فقد نصت المادة 23 من القانون رقم 41.90 على ضرورة تقديم الطعن داخل أجل ستين يوماً من تاريخ نشر القرار أو تبليغه. ويطبق النشر على القرارات التنظيمية التي تنشر في الجريدة الرسمية، بينما يطبق التبليغ على القرارات الفردية.
كما يمكن أن يتوقف سريان هذا الأجل بسبب تقديم تظلم إداري، حيث تمنح الإدارة أجلاً للرد عليه، ويستأنف احتساب الأجل من تاريخ الرد الصريح أو من تاريخ تحقق الرفض الضمني.
وبالإضافة إلى النشر والتبليغ، اعتمد الاجتهاد القضائي نظرية العلم اليقيني، حيث اعتبرت محكمة النقض أن العلم اليقيني بمضمون القرار ومصدره وأسبابه يمكن أن يقوم مقام التبليغ الرسمي متى ثبت بشكل قاطع أن الطاعن كان على علم بالقرار وتأثيره على مركزه القانوني.
ومن جهة أخرى، أجاز المشرع للأشخاص غير القادرين على تحمل مصاريف الدفاع الاستفادة من المساعدة القضائية، وذلك عن طريق التقدم بطلب إلى رئيس المحكمة الإدارية لتعيين محام في إطار هذه المساعدة، وفق مسطرة مبسطة مقارنة بتلك المعمول بها أمام المحاكم العادية.
المحور الثاني: الرقابة القضائية على مشروعية القرار الإداري
حدد المشرع في المادة 20 من القانون رقم 41.90 الأسباب التي تبرر الطعن بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة، وهي: عيب الاختصاص، وعيب الشكل، والانحراف في استعمال السلطة، وانعدام التعليل، ومخالفة القانون.
ويتحقق عيب الاختصاص عندما يصدر القرار الإداري عن جهة لا تملك قانوناً سلطة اتخاذه. ويعد هذا العيب من أخطر العيوب التي قد تصيب القرار الإداري، إذ يصل في بعض الحالات إلى درجة اغتصاب السلطة. ورغم أن الأصل يقتضي تمسك الطاعن بهذا العيب، فإن القضاء الإداري قد يثيره تلقائياً باعتباره مرتبطاً بالنظام العام.
كما يقتضي فحص الاختصاص التمييز بين التفويض في الاختصاص والتفويض في التوقيع، للتأكد من مدى مشروعية الجهة التي أصدرت القرار.
أما عيب الشكل فيتعلق بعدم احترام الإجراءات والشكليات التي فرضها القانون قبل إصدار القرار الإداري. فالإدارة ملزمة باتباع المساطر المحددة قانوناً، والتي تختلف باختلاف طبيعة القرار والجهة المعنية به. ومن أبرز هذه الشكليات الكتابة واحترام حقوق الدفاع.
ومن أمثلة ذلك عدم جواز إصدار قرار تأديبي بعزل موظف دون تمكينه من الضمانات القانونية المقررة، ومنها عرض الملف على المجلس التأديبي وتمكينه من الاطلاع على ملفه وإعداد وسائل دفاعه.
أما عيب الانحراف في استعمال السلطة فيتحقق عندما تستعمل الإدارة سلطتها لتحقيق أغراض شخصية أو خاصة بدل تحقيق المصلحة العامة. ويعد إثبات هذا العيب من أكثر المسائل تعقيداً، إذ يتعين على الطاعن تقديم مؤشرات وقرائن تدل على أن القرار استهدف تحقيق منفعة خاصة لمصدره أو لفائدة الغير، أو صدر بدافع الانتقام أو المحاباة.
وفيما يخص عيب مخالفة القانون، فإنه يتعلق بمضمون القرار الإداري وآثاره القانونية، ويتحقق عندما تتجاهل الإدارة قاعدة قانونية واجبة التطبيق، أو تخطئ في تفسيرها، أو تتوسع أو تتضيق في تأويلها بشكل يؤدي إلى إصدار قرار مخالف للقانون.
وقد أكدت محكمة النقض هذا الاتجاه في عدة قرارات، من بينها حالة إعلان نجاح مترشح في مباراة رغم حصوله على نقطة أقل من غيره، في مخالفة للشروط التي وضعتها الإدارة نفسها. كما اعتبرت أن رفض السلطة المحلية تسلم ملف تأسيس جمعية دون مبرر قانوني يشكل مخالفة للقانون، لأن الجهة المختصة عند وجود مخالفة قانونية هي القضاء بناءً على إحالة من النيابة العامة.
ومن جهة أخرى، فإن الطعن بالإلغاء لا يوقف تنفيذ القرار الإداري كقاعدة عامة، باعتبار أن القرارات الإدارية تتمتع بقوة النفاذ المباشر. غير أن المادة 24 من القانون رقم 41.90 أجازت للطاعن أن يطلب إيقاف تنفيذ القرار مؤقتاً إلى حين البت في دعوى الإلغاء، شريطة أن يكون قد رفع دعوى الإلغاء الأصلية وأن تتوافر الجدية والاستعجال المبرران لهذا الطلب.
خلاصة
إن دعوى الإلغاء تعد من أهم الآليات التي خولها المشرع لحماية المشروعية وضمان خضوع الإدارة للقانون. وقد أحاطها بمجموعة من الشروط الشكلية والموضوعية، مع إقرار القضاء الإداري لاجتهادات عديدة هدفت إلى تبسيط المساطر وتوسيع نطاق حماية الحقوق والحريات، بما ينسجم مع المقتضيات الدستورية التي تكرس حق التقاضي والرقابة القضائية على أعمال الإدارة.
شارك المقال






















Leave a Reply