عندما تصبح صحة المواطن رهينة الإهمال بين فوضى المجازر وصمت المسؤولين

رصد المغرب / عبدالصمد الشرادي


في زمن أصبحت فيه المعلومة تنتشر بسرعة الضوء، لم يعد بالإمكان إخفاء الاختلالات التي تمس الحياة اليومية للمواطن. الفيديو المتداول مؤخرا حول ظروف تدبير مجزرة يفترض أنها نموذجية لتلبية حاجيات إقليم سلا، أعاد إلى الواجهة سؤالا قديما متجددا، وهو من المسؤول فعلا عن حماية صحة المواطن المغربي؟

المشاهد التي تم تداولها، والتي تظهر لحوما ملقاة على الأرض وتداس بالأقدام، ليست مجرد صور صادمة، بل مؤشر خطير على خلل عميق في منظومة المراقبة والتدبير. فالمجازر ليست فضاءات عادية، بل منشآت حيوية تخضع لمعايير صارمة، لأن ما يخرج منها يصل مباشرة إلى موائد المواطنين. وعندما تنتهك هذه المعايير بهذا الشكل، فإن الأمر يتجاوز الإهمال ليقترب من الاستهتار بالصحة العامة.

والأكثر إثارة للقلق ليس فقط مضمون الفيديو، بل الصمت الذي أعقبه. لأكثر من أسبوع، ظل المقطع ينتشر دون أي توضيح رسمي يذكر، لا من طرف المنتخبين ولا من المعينين. هذا الصمت يطرح علامات استفهام كبيرة حول جدية التعاطي مع قضايا تمس بشكل مباشر سلامة المواطنين، ويغذي في الآن نفسه شعورا عاما بانعدام المحاسبة.

في ظل هذا الواقع، يزداد اقتناع المواطن بأن تدبير الشأن المحلي لم يعد بيد الفاعلين المحليين، بل أصبح رهينا بالمركزية، خاصة تلك المرتبطة بوزارة عبد الوافي لفتيت. هذا التصور، سواء كان دقيقا كليا أو جزئيا، يعكس أزمة ثقة حقيقية في المؤسسات المحلية وقدرتها على اتخاذ المبادرة وتحمل المسؤولية.

غير أن اختزال المشكل في المركزية وحدها قد لا يكون كافيا. فالإشكال أعمق، ويتعلق بتداخل الاختصاصات، وضعف آليات المراقبة، وغياب ثقافة التواصل مع الرأي العام. كما أن هيئات المراقبة الصحية، وعلى رأسها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، مطالبة بدورها بالخروج عن صمتها وتوضيح حقيقة ما جرى، حماية للمواطن أولا، ولمصداقية المؤسسات ثانيا.

إن ما حدث، أو ما يعتقد أنه حدث، ليس مجرد حادث معزول، بل فرصة لطرح نقاش جدي حول الحكامة المحلية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الشفافية. فالمواطن المغربي اليوم لم يعد متلقيا سلبيا، بل أصبح يراقب ويوثق ويطالب بحقه في المعلومة وفي بيئة صحية آمنة.

ولذلك تبقى صحة المواطن خطا أحمر لا يقبل التهاون. وأي تأخر في التوضيح أو اتخاذ الإجراءات لا يزيد إلا من تعميق الفجوة بين المواطن والمؤسسات، وهي فجوة لا يمكن ردمها إلا بالفعل المسؤول والتواصل الصادق.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *