رصد المغرب / الدكتور خليل الناصري
يعتبر جهاز تفتيش الشغل بالمغرب المكون الأساسي لضمان تنظيم العلاقات المهنية بين أطرافها من خلال استهداف و تعزيز الامتثال للإلتزامات التشريعية و التنظيمية للشغل و حماية حقوق الأجراء و أرباب العمل على حد سواء في إطار المقاربة التي تزاوج بين استقرار المناخ الاجتماعي و تطوير الرأسمال الاقتصادي .
إن اختصاصات جهاز تفتيش الرقابية أو التصالحية أو التحكيمية أو فيما يخص النصح و الإرشاد و مساهمته في تطوير القوانين التعاقدية و جميع تلك المهام المنصوص عليها في المادة 532 من القانون 99-65 بمثابة مدونة للشغل و القوانين الأخرى المنظمة لمجال تدخله و منها الفصل 16 من الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.72184 بتاريخ 15 جمادى الثانية 1392 ( 27 يوليو 1972) يتعلق بالضمان الاجتماعي، و المادة 22 من القانون رقم 12.19 بتحديد شروط الشغل و التشغيل المتعلقة بالعاملات و العمال المنزليين، و المادة 12 من القانون رقم 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل ، و كذلك المادة 3 من المرسوم 2.08.69 بشأن النظام الأساسي الخاص بهيئة تفتيش الشغل ، جميع هذه الإختصاصات تظهر أهميتها في نتائج تنزيلها و خاصة عند تحقيق بيئة عمل مستدامة و مستقرة تشجع على الاستثمار و تطوير الإنتاج و تضمن استقرار العمل و حماية الأجراء.
و بالتالي فإن جهاز تفتيش الشغل يلعب دوراً محورياً وحاسماً في ضمان استمرارية الإنتاج داخل المقاولات والمؤسسات الإنتاجية من خلال السهر على تطبيق تشريع الشغل وتفادي أي توقفات غير قانونية للعمل، سواء كانت ناتجة عن نزاعات جماعية، أو سوء تنظيم، أو عدم احترام شروط السلامة و الصحة و ذلك اعمالا للدور الإستباقي تفاديا للتصعيد و التوقفات الناتجة عن الإضرابات .
فالإضرابات العمالية و إن كانت أداة قانونية واجتماعية للتعبير عن المطالب، لكنها تترك تأثيرات عميقة ومباشرة على تطور الإنتاج الاقتصادي وسلاسل التوريد و تنتج عنها خسائر تأثر على الإستدامة المالية والتشغيلية و تعطل الحياة اليومية والخدمات الحيوية بالإضافة إلى إمكانية تلف المعدات و اضطراب تكنولوجيا العمل في بعض الصناعات .
كل ذلك يجعل من تدخلات مفتش الشغل صمام الأمان في استقرار و استمرارية المؤسسات في الحفاظ على الإنتاج و الإنتاجية و التنافسية و تقليص نسبة الوقت الضائع و المساهمة في التشغيل و ربح الوقت و المصاريف و عدم توقف عمل القطاعات الحيوية اعتبارا لكون الإنتاج في الاقتصاد الحديث لم يعد يركز على الجانب الكمي بل على الجودة و سرعة الإستجابة مسايرة للتنافسية و الوصول الى الأسواق و تقليص كلفة الإنتاج.
فالزمن في الإنتاج الاقتصادي عنصر غير ملموس لكنه فعال، وبتتبع المظاهر الإنتاجية المختلفة نجد أن للبعد الزمني أثرا في ذلك، فأجور العمال تحسب بالساعات أو الأيام، وتكلفة عوامل الإنتاج تحسب بالساعات، وحتى معدل استهلاك رأس المال المادي يحسب أيضا بالأيام والسنوات، فكل ما يتحرك في فلك الإنتاج مرتبط بالزمن.
و في هذا السياق فإن دور مفتش الشغل يتجلى عبر عدة آليات هي جوهر اختصاصه :
– آلية المراقبة :
تلعب زيارات المراقبة التي يقوم بها مفتش الشغل دوراً محورياً في استقرار المقاولة من خلال السهر على تطبيق تشريع الشغل، و خاصة مراقبة احترام الحد الأدنى للأجور و دورية آدائها و منحة الأقدمية، و ساعات العمل القانونية ، و شروط السلامة والصحة المهنية ، و التصريح بالأجراء بالأيام الفعلية للشغل لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي و التغطية الصحية وغيرها من الإلتزامات القانونية، و ذلك يساهم في خلق بيئة عمل عادلة وآمنة، مما يرفع الإنتاجية و يقلص التوقفات، ويعزز السلم الاجتماعي داخل المؤسسة.
كما يبرز دور مفتش الشغل في التصدي للهشاشة الاجتماعية و الاقتصادية من خلال مراقبة الأنشطة الاقتصادية غير المهيكلة المشغل الأول لليد العاملة بالمغرب مستهدفا التصريح بالأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ، تحسين ظروف العمل ، و ادخال الاقتصاد غير المهيكل كقيمة مضافة ضمن المنظومة الإقتصادية المنتجة و المنظمة و المنافسة و المدرجة ضمن المعطيات الاقتصادية الوطنية و هو ما يساعد على توسيع الوعاء الضريبي ، و توسيع موارد صناديق الحماية الاجتماعية وضمان العدالة الترابية.
– آلية التصالح:
يتدخل مفتش الشغل لمحاولة تسوية نزاعات الشغل الجماعية و الفردية و لإيجاد حلول ودية بين الفرقاء الاجتماعيين (الإدارة والنقابات) قبل وصول النزاع إلى إضراب يؤدي إلى توقف الإنتاج و إلى ساعات عمل ضائعة قد يتجاوز تأثيرها المؤسسة المعنية ليصل الى السوق المحلية او القطاعية او الوطنية .
– آلية الوساطة:
يساهم مفتش الشغل في تعزيز الإطار التعاقدي من خلال تشجيع و تأطير المفاوضة الجماعية سعيا نحو إبرام اتفاقيات جماعية تضمن استقرار السلم الاجتماعي داخل المؤسسة و تساهم في تقوية الثقة بين الأطراف الاجتماعية مما يؤطر إيجابيا على الإنتاج.
– الآلية الإستباقية و الدور التوقعي .
تفاديا للتوقفات المحتملة للعمل ، عبر تقديم النصائح والارشاد للمشغلين والأجراء حول أنجع الوسائل لتنظيم الوقت وتفادي الأخطار المهنية التي قد تؤدي إلى توقف الإنتاج.
و من بعض تجليات دوره الإستباقي عند سلوك المشغل لمسطرة الفصل لأسباب اقتصادية تكنولوجية أو هيكلية طبقا للمواد من (المواد 66 إلى 71) من مدونة الشغل حيث يتدخل مفتش الشغل ، و إن كان تدخله شرطا مسطري و ليس اجراء شكليا في هذه المرحلة بهدف “محاولة التصالح” بجهوده و اجتهاداته للعمل على إيجاد حلول بديلة لفصل الأجراء (مثل تقليص ساعات العمل، إعادة التوزيع الهيكلي و غيرها من الحلول) كما يقدم آراء استشارية بعد البحث والتقصي.
خاتمة :
إن وجود جهاز تفتيش الشغل فعال و كحلقة وصل بين المشرع وأرباب العمل والأجراء يعطي صورة إيجابية عن مناخ الأعمال بالمغرب، سواء لدى المستثمرين المغاربة أو الأجانب من حيث ترسيخه لاحترام حقوق الإنسان في العمل، و شروط العمل اللائق ، و الامتثال للاتفاقيات الدولية لمنظمة العمل الدولية و هو ما من شأنه أن يعزز تنافسية الاقتصاد المغربي في الأسواق العالمية.
و بالتالي و من خلال ما تقدم فإن مفتش الشغل يقوم بدور حيوي و أساسي في تحقيق التوازن بين ضمان حقوق الأجراء من جهة و استمرارية المؤسسات الإنتاجية من جهة ثانية ، ما جعله يحمل همين : الأول اجتماعي أساسه الأجراء و هم اقتصادي لتطوير المقاولة و المساعدة في استمراريتها.
كان و لازال يلعب دوراً مهماً في تطوير الرأسمال الاقتصادي، ليس فقط من خلال مراقبة تطبيق قانون الشغل، بل أيضاً عبر المساهمة في خلق مناخ اجتماعي مستقر ومحفز للاستثمار والإنتاج.
ويمكن إبراز هذا الدور في عدة مستويات:
1. ضمان الاستقرار الاجتماعي داخل المقاولة
يقوم مفتش الشغل بالتدخل لحل النزاعات الفردية والجماعية بين الأجراء والمشغلين، مما يساهم في:
الحد من الإضرابات والتوقفات عن العمل.
الحفاظ على استمرارية الإنتاج.
تقوية الثقة بين الأطراف الاجتماعية.
فالاستقرار الاجتماعي يعتبر عنصراً أساسياً لجذب الاستثمار الوطني والأجنبي.
2. حماية حقوق العمال وتحسين الإنتاجية
عندما يتم احترام:
الأجور،
ساعات العمل،
شروط السلامة والصحة المهنية،
التغطية الاجتماعية،
فإن ذلك ينعكس إيجاباً على مردودية العامل وتحفيزه، وبالتالي رفع الإنتاجية وتحسين جودة المنتوج والخدمات.
3. محاربة القطاع غير المهيكل
يساهم جهاز تفتيش الشغل في:
تشجيع التصريح بالأجراء،
إدماج العمال في الضمان الاجتماعي،
مراقبة احترام التصريح القانوني بالمقاولات.
وهذا يساعد الدولة على:
توسيع الوعاء الضريبي،
تحسين موارد صناديق الحماية الاجتماعية،
تنظيم الاقتصاد الوطني.
4. تشجيع الاستثمار واحترام المعايير الدولية
وجود جهاز تفتيش فعال يعطي صورة إيجابية عن مناخ الأعمال بالمغرب، خاصة لدى المستثمرين الأجانب الذين يهتمون بـ:
احترام حقوق الإنسان في العمل،
شروط العمل اللائق،
الامتثال للاتفاقيات الدولية لمنظمة العمل الدولية.
وهذا يعزز تنافسية الاقتصاد المغربي في الأسواق العالمية.
5. المساهمة في التنمية البشرية والرأسمال البشري
مفتش الشغل لا يقتصر دوره على الزجر، بل يقوم أيضاً بـ:
التوعية القانونية،
الإرشاد والمواكبة،
نشر ثقافة الحوار الاجتماعي.
مما يساعد على تطوير الكفاءات وتحسين العلاقات المهنية، وهو ما يشكل أساساً لتنمية الرأسمال البشري والاقتصادي معاً.
6. الوقاية من حوادث الشغل والخسائر الاقتصادية
مراقبة شروط الصحة والسلامة المهنية تؤدي إلى:
تقليل حوادث الشغل،
تخفيض تكاليف التعويض والعلاج،
تقليص خسائر التوقف عن الإنتاج.
وهذا ينعكس مباشرة على مردودية المقاولات والاقتصاد الوطني.
خلاصة
يمكن القول إن مفتش الشغل بالمغرب يشكل فاعلاً أساسياً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لأنه يوازن بين حماية حقوق الأجراء وضمان استمرارية المقاولة، مما يساهم في بناء اقتصاد مستقر، منتج، وجاذب للاستثمار.
شارك المقال























Leave a Reply