رصد المغرب /الحيداوي عبد الفتاح
في بلد يرفع شعارات حماية المستهلك، ويؤكد صباح مساء على الأمن الصحي والغذائي، خرج اتصال هاتفي صادم ليكشف ما يشبه الكارثة الوطنية التي قد تكون أخطر مما يتصوره كثيرون. المكالمة التي توصل بها الأستاذ محمد عمورة لم تكن مجرد (شهادة عابرة) أو (إشاعة فيسبوكية) كما قد يحاول البعض تصويرها، بل كانت جرس إنذار مرعبا حول ما يدخل يوميا إلى بطون ملايين المغاربة.
المتصل، الذي قدم نفسه باعتباره تقنيا في قطاع تربية الدواجن، تحدث بلغة العارف بتفاصيل الميدان، لا بلغة المتكهن أو الباحث عن الإثارة. الرجل كشف معطيات لو صحت، فنحن أمام فضيحة أخلاقية وصحية بكل المقاييس، وأمام جريمة لا تقل خطورة عن أي اعتداء مباشر على حياة المواطنين.
أخطر ما ورد في المكالمة أن بعض أرباب الضيعات، عندما يواجهون مشاكل صحية في الدجاج أو يخشون خسائر مالية، يلجؤون إلى حقن الدواجن بمواد تستوجب وفق القواعد الصحية انتظار واحد وعشرين يوما قبل استهلاكها. غير أن الكارثة، بحسب المتصل، أن هذه الدواجن تطرح في الأسواق بعد ساعات فقط من حقنها، لتتحول موائد الأسر المغربية إلى ساحات تجريب مفتوحة على الأمراض والمضاعفات المجهولة.
أي استهتار هذا؟
وأي ضمير يسمح بتحويل صحة الناس إلى مجرد أرقام في ميزان الربح والخسارة؟
الأمر لا يتعلق فقط ببعض الضيعات المعزولة، بل بما يشبه شبكة صمت مخيفة تجعل المستهلك المغربي الحلقة الأضعف دائما. فحين يعجز تقني في القطاع عن إيصال صوته إلى رئيس الحكومة، ويضطر إلى إطلاق صرخته عبر اتصال إعلامي، فهذا يعني أن هناك خللا عميقا في منظومة الرقابة والتبليغ والحماية.
الأشد صدمة أن المتصل تحدث أيضا عن شركات تصنيع “الكاشير” ومنتجات اللحوم المصنعة، متهما بعضها باقتناء هذه الدواجن دون اكتراث بالمخاطر الصحية، في منطق تجاري متوحش لا يرى في المواطن سوى مستهلك يجب أن يشتري… ثم يواجه مصيره وحده.
لسنا هنا أمام ترف إعلامي أو مادة للتهويل، بل أمام قضية تستوجب تدخلا عاجلا من الجهات الرسمية، وعلى رأسها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية والنيابة العامة ووزارة الفلاحة ووزارة الصحة. لأن الصمت في مثل هذه الملفات أخطر من الكلام، والتقليل من شأنها قد يتحول إلى تواطؤ غير مباشر مع العبث بصحة الناس.
المطلوب اليوم ليس إصدار بلاغ بارد ينفي أو يطمئن، بل فتح تحقيق حقيقي وشفاف، يشمل الضيعات، والمجازر، وشركات التصنيع، ومسارات التوزيع، وتحليل عينات من الأسواق بشكل مستقل، وإعلان النتائج للرأي العام دون رتوش.
المغاربة لم يعودوا يطالبون بالرفاهية، بل فقط بالحد الأدنى من الأمان داخل أطباقهم.
فإذا كان المواطن أصبح يخاف حتى من قطعة دجاج يشتريها لأطفاله، فهذه ليست أزمة غذاء فقط… بل أزمة ثقة في بلد كامل.
شارك المقال























Leave a Reply