رصد المغرب /
ليست فاس مجرد مدينة عتيقة تزخر بالمعالم والأسوار، بل هي كيان حضاري تشكل حول الماء باعتباره روح الحياة وشرط الاستقرار البشري، حيث منذ تأسيسها، ارتبط اسم فاس بالعيون والوديان وشبكات مائية ذكية جعلت منها نموذجا عمرانيا فريدا في العالم الإسلامي، ورافعة علمية واقتصادية وثقافية عبر العصور.
اختير موقع مدينة فاس بعناية فائقة بسبب وفرة المياه والينابيع، حيث ساهم وادي فاس، أحد روافد وادي سبو، في تحديد شكل المدينة وتخطيط أحيائها وتوزيع أنشطتها. وقد أجمع المؤرخون، وعلى رأسهم ابن أبي زرع في روض القرطاس، على أن فاس “مدينة مبنية على الماء”، تنبع عيونها من سهل سايس، وتغذيها عشرات الينابيع التي كانت تتدفق على مدار السنة.
وقد عرفت فاس بهندسة مائية متقدمة، اعتمدت على قنوات تحت أرضية وسواقي سطحية، مكنت من إيصال الماء إلى المنازل والمساجد والمدارس والحمامات والأسواق، في نظام عادل ومنظم، جعلها من المدن القليلة التي كان الماء يصل فيها إلى كل بيت تقريبا.
هذا الرصيد التاريخي والبيئي، كان محور الندوة العلمية الوطنية التي نظمتها جمعية التراث والتواصل الأورو-متوسطي، بتنسيق مع جماعة فاس، ووزارة التجهيز والماء ومديريتها الجهوية، ووزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات عبر مصالحها المختصة، والمديرية الجهوية للوكالة الوطنية للمياه والغابات لجهة فاس مكناس، ومديرية حوض سبو، ووكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس، تحت عنوان: «عيون مدينة فاس بين الماضي والحاضر».
أُشرف على هذا اللقاء العلمي كل من الحاج صباغي عبد الوهاب الإدريسي الحسني، رئيس جمعية التراث والتواصل الأورو-متوسطي، والأستاذ نور الدين الرايس رئيس اللجنة العلمية، وعمر الوزاني الإبراهيمي عضو لاحق، وخالد القندوسي عضو لاحق.
وأيضا شارك في الندوة عدد من الباحثين والمتخصصين، من بينهم الأستاذ منير الجواهري، والأستاذ طنكول عبد الرحمان، والأستاذ نور الدين السرغيني، والأستاذ عبد الغني بلغمي، والأستاذ الحاج إدريس بوسباطة، والأستاذة سعاد المفيد، والأستاذ موحى بلخدوش، والأستاذ الحاج عبد الرزاق إقامة، والأستاذ فؤاد السرغيني.
وقد ركزت المداخلات على توصيف دقيق لمدينة فاس العتيقة وعيونها التاريخية، من قبيل عين أزليطن، وعيون أخرى تنبع من عمق المدينة القديمة، إضافة إلى معالم مائية بارزة مثل جنان السبيل، وواد الرشاشة، وواد الزحون، ووادي سبو، ووادي فاس الذي أصبح اليوم جزءا من الذاكرة أكثر منه من الواقع، بعدما كان شريانا حيويا للحياة والعمران.
ورغم تسجيل غياب بعض المتدخلين، فإن اللقاء تميز بغنى النقاش وعمق التحليل، حيث أجمع المتدخلون على أن تراجع العيون واختفاء بعضها يعكس اختلالا بيئيا وعمرانيا يستوجب المعالجة العاجلة، حيث تخللت الندوة لحظات شعرية استحضرت روح فاس ووجدانها، بمشاركة نبيلة حماني، وإدريس الرواح، ورشيد أبو ديبة، وعبد الرزاق الفلق، وعبد الكريم الوزاني.
واختتم اللقاء بتوزيع شواهد تقديرية وتذكارات ومصاحف قرآنية على المتدخلين والمشاركين، إلى جانب عدد من الصحفيين والإعلاميين وفعاليات المجتمع المدني، فضلا عن تنظيم وجبة عشاء على شرف الحضور.
وفي تصريح صحفي لجريدة “رصد المغرب”، شدد الحاج صباغي عبد الوهاب الإدريسي الحسني على أن «فاس كانت منبع العلم والكرم والماء والحياة، لكنها اليوم تحتاج إلى أياد أمينة تعيد لها الروح»، مذكرا بأن معالم مثل المرقطن وسوق الدلالة والنجارين والقرويين ومولاي إدريس والصفارين لم تعد تعكس المكانة التاريخية للمدينة.
ودعا المتحدث الجهات المختصة إلى التدخل العاجل لإنقاذ المدينة العتيقة اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا وعمرانيا وتراثيا، مؤكدا أن فاس كانت رافعة اقتصادية كبرى ومعقلا لقوافل التجار عبر التاريخ، حيث ختم بقوله:«فاس منا ونحن منها، ولا يجوز تهميشها أو إهمالها».
شارك المقال

































Leave a Reply