سقف الإصلاح السياسي بالمغرب بين الطموح والواقع من مشروع الدولة إلى تعليق الإصلاح الحلقة الاولى

رصد المغرب / عبد المولى المروري 

لابد من العودة إلى الماضي لفهم الحاضر والتخطيط للمستقبل…

عرف المغرب، منذ الاستقلال، نقاشًا متواصلًا حول الإصلاح السياسي، تباينت فيه التصورات والمواقف، وتعدد فيه الفاعلون، وتغيرت السياقات الداخلية والإقليمية والدولية، دون أن يفضي ذلك إلى تحول ديمقراطي بنيوي يمس جوهر السلطة وطبيعة القرار السياسي.
ورغم توالي التجارب الإصلاحية، التي عرفها المغرب منذ الاستقلال، سواء تعلق الأمر بالتناوب التوافقي، أو الإصلاحات التي أدخلت بمناسبة دستور 2011، أو توسيع هامش الحريات خلال بعض الفترات السياسية، أو تنظيم انتخابات دورية، ظل الإحساس العام سائدا بأن الإصلاح السياسي بالمغرب يتقدم شكليًا دون أن يتحول إلى إصلاح بنيوي.
وفي هذا الإطار، لا يمكن فهم سقف الإصلاح السياسي بالمغرب دون العودة إلى تاريخه الفعلي وبعض محطاته المفصلية، لا كما يُروى في الخطاب الرسمي، بل كما تشكّل عبر تجارب حكومية ومعارضات كبرى. فالإصلاح في المغرب لم يُجهَض دفعة واحدة، بل تراجع تدريجيًا عبر مراحل، كل مرحلة أقل سقفًا من سابقتها، إلى أن وصلنا اليوم إلى لحظة يمكن وصفها مرحلة «تعليق الإصلاح» سياسيًا.
1// مسار الإصلاح السياسي بالمغرب، متتالية التنازلات
أولًا: حكومة عبد الله إبراهيم (1958–1960) – الإصلاح كخيار دولة
تُعد حكومة عبد الله إبراهيم أول محاولة جدية لبناء دولة وطنية ذات سيادة سياسية واقتصادية بعد الاستقلال. وقد حملت هذه الحكومة تصورًا إصلاحيًا ذا سقف عال، تمثل في:
– تقوية الدولة الوطنية المستقلة عن النفوذ الاستعماري،
– بناء اقتصاد وطني (موقف حازم من الرأسمال الأجنبي، وتقوية الصناعة المحلية)،
– تعزيز دور المؤسسات المدنية،
– توسيع مجال الحريات،
– تقليص نفوذ القصر في التدبير الحكومي..
هنا كان الإصلاح مشروعًا سياسيًا كاملاً، يطمح إلى إعادة توزيع حقيقي للسلطة، وكانت تمثل هذه اللحظة أعلى سقف إصلاحي في تاريخ المغرب الحديث.. ولكن للأسف الشديد كانت النتيجة إسقاط الحكومة بسرعة عجيبة، وإنهاء تجربتها الرائدة.. فكان ذلك أول مؤشر على أن الإصلاح الذي يقترب من جوهر السلطة غير مسموح به تماما…
ثانيا: محطات القطيعة مع الإصلاح السياسي: من الصراع إلى الضبط
لقد مر مسار الإصلاح بمحطات مفصلية وخطيرة، كانت سمتها الأبرز هي التعثر المستمر والصراع السياسي الذي أخذ بعدا مأساويا أحيانا، ويمكن أن نجمل أهمها فيما يلي:
أ. اغتيال المهدي بن بركة وتصفية الإصلاح الجذري:
يُعدّ اغتيال المهدي بن بركة بتاريخ 29 أكتوبر 1965 محطة مفصلية في تاريخ تعثر الإصلاح السياسي بالمغرب، ليس فقط لما يحمله الحدث من دلالة جنائية وسياسية، بل لما مثّله من نهاية رمزية لمشروع إصلاحي جذري كان يطمح إلى إعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية وسيادية.
وبصرف النظر عن توجهاته الفكرية والأيديولوجية، كان المهدي بن بركة يمثل:
– معارضة سياسية ذات بعد دولي،
– مشروعًا إصلاحيًا بسقف عال جدا،
– تصورًا واضحًا لربط السلطة بالمحاسبة،
– استقلالية فكرية وسياسية وتنظيمية عن مركز القرار..
اغتياله لم يكن مجرد إسكات صوت معارض، بل كان رسالة سياسية واضحة مفادها أن الإصلاح الذي يتجاوز حدود معينة، أو يربط بين الداخل والخارج، أو يهدد توازنات السلطة، أو يقلص من نفوذها غير مسموح به مطلقا، ويعرض صاحبه للتصفية الجسدية أو الرمزية في أحسن الأحوال..
ومنذ تلك اللحظة، انتقل الإصلاح السياسي من كونه مشروعًا لتغيير بنية الحكم إلى رهان محفوف بالمخاطر الوجودية بالنسبة للفاعلين السياسيين.
ب. إعلان حالة الاستثناء بتاريخ 23 مارس 1965: تعليق السياسة باسم الاستقرار
شكّل إعلان حالة الاستثناء سنة 1965 محطة ثانية بحمولة سياسية وأمنية ثقيلة، حيث تم تعليق العمل بالدستور وحل البرلمان، بدعوى الحفاظ على النظام العام والاستقرار.
ومن الناحية السياسية، يعتبر هذا القرار:
– تكريس أولوية استقرار الدولة على الديمقراطية ولو على أرضية استبدادية،
– تعليق المؤسسات بدل إصلاحها وتفعيلها،
– ترسيخ منطق الحكم المطلق فوق المشاركة السياسة،
– تأكيد هشاشة المسار الدستوري ودوره الهامشي ضمن نسق الحكم..
ومنذ ذلك الحين، ترسّخ في الوعي السياسي المغربي (عند العام والخاص) «منطق» فج مفاده أن الإصلاح السياسي قابل للتعليق كلما اعتُبر مهددًا للاستقرار، وهو منطق سيعاد استحضاره بصيغ مختلفة وفي مناسبات عديدة.
بهذا المعنى، لم تكن حالة الاستثناء إجراءً مؤقتًا فقط، بل سابقة سياسية ستؤثر طويلًا في تصور الدولة والفاعلين السياسيين للإصلاح وحدوده.
ج. محاولتا الانقلاب (1971–1972): الأمننة بدل الإصلاح
أدت محاولتا الانقلاب العسكري في بداية السبعينيات إلى تحول جذري في علاقة الدولة بكل ما له علاقة بالإصلاح السياسي. فبعد هذه الأحداث، انتقل مركز الثقل من سؤال الإصلاح والحرية والانفتاح إلى واقع الأمن والقمع والانغلاق. الأمر الذي كانت له انعكاسات خطيرة، حيث ميز هذه المرحلة:
– تعزيز الطابع الأمني للدولة الذي عمر لأكثر من عشرين سنة..
– تضييق المجال السياسي باسم حماية النظام،
– التعامل مع المعارضة كخطر محتمل أو حقيقي،
– إضعاف الحياة الحزبية لصالح الضبط، ومخزنة كل المؤسسات،
– عسكرة الجامعات المغربية،
– تهميش ومحاربة الفلسفة والعلوم الإنسانية لما كانت تشكله في تلك المرحلة من خطر معرفي على مركز القرار..
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الإصلاح السياسي أولوية، بل أصبح مشروطًا بمنطق الأمن والاستقرار، وهو ما عمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع، فانفجرت بسبب ذلك العديد من الانتفاضات والحركات الاحتجاجية، كان أشهرها وأخطرها انتفاضة «الكوميرة»، ودخل المغرب بعدها في مرحلة طويلة من «الاحتراز السياسي».
د. أثر هذه المحطات على مسار الإصلاح السياسي
تشترك هذه المحطات الثلاث في نتيجة واحدة، تحويل الإصلاح السياسي من مشروع تغيير إلى ملف أمني، ومن طموح جماعي إلى مخاطرة فردية، وعلى إثر ذلك تم إنتاج:
– ثقافة سياسية قائمة على الخوف والحذر،
– نخبًا إصلاحية تميل إلى التنازل بدل التدافع وممارسة الضغط السياسي..
– أحزابًا تقبل بالسقف المنخفض بدل مقاومته،
– مجتمعًا يتعايش مع الإصلاح المحدود، والرضى بالاستبداد الموجود،
وبذلك، لم يكن تعثر الإصلاح السياسي بالمغرب نتيجة ضعف البرامج أو غياب الإرادة فقط، بل نتيجة مسار تاريخي من الصدمات والصراعات السياسية التي أعادت رسم حدود الممكن وغير الممكن في معركة الإصلاح.
وبناء عليه، لا يمكن فصل تعثر الإصلاح السياسي عن هذه المحطات المفصلية التي أعادت توجيه مساره من أفق التغيير إلى منطق الضبط، ومن السياسة كفضاء تدافعي تفاوضي، إلى السياسة كمنطقة محفوفة بالمخاطر والحواجز، ومن هنا بدأ تشكّل ما يمكن تسميته «بسقف الإصلاح السياسي»، لا بوصفه خيارًا طوعيًا فقط، بل كنتاج لمسار تاريخي معقّد.
ثانيًا: عبد الرحيم بوعبيد والاتحاد الاشتراكي – الإصلاح من داخل المعارضة (1975–1992)
بعد إجهاض تجربة حكومة عبد الله إبراهيم، انتقل مشروع الإصلاح السياسي في المغرب إلى فضاء المعارضة، حيث لعب عبد الرحيم بوعبيد دورًا محوريًا، داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية منذ تأسيسه سنة 1959، ثم داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بعد تأسيسه سنة 1975.
تميّزت هذه المرحلة بكون الإصلاح لم يعد مشروع سلطة، بل مشروع معارضة مبدئية، تقبل العمل داخل الإطار الرسمي، دون التخلي عن المطالب الديمقراطية الجوهرية، وعلى رأسها الملكية البرلمانية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام الإرادة الشعبية.
وقد تجسّد هذا الخط الإصلاحي بوضوح في المواقف التاريخية التي اتخذها بوعبيد، خصوصًا:
– رفضه خيار الاستفتاء في قضية الصحراء سنة 1981، دفاعًا عن حل سياسي سيادي،
– رفضه التمديد للبرلمان سنة 1981، انطلاقًا من مبدأ الشرعية الديمقراطية..
وقد كلفت هذه المواقف بوعبيد وقيادة الاتحاد الاشتراكي ثمنًا سياسيًا باهظًا، تمثّل في اعتقال المكتب السياسي ووضع قيادته تحت الإقامة الجبرية، ما يؤكد أن سقف المطالبة بالإصلاح في هذه المرحلة كان مرتفعًا من حيث المبدأ، لكنه محاصر بالقوة.
ولكن رغم صلابة خطاب المعارضة حينئذ، إلا أنه بدأ يظهر أول تراجع تكتيكي لها، يتمثل في الانتقال من الإصلاح الجذري إلى الإصلاح التدرجي، والقبول بمنطق “المرحلة”، ثم تأجيل الصراع السياسي المباشر.. فكانت النتيجة أن تحول الإصلاح من مشروع تغيير استراتيجي إلى مشروع انتظار بدون أفق.
كما أن هذه المرحلة، رغم نزاهتها السياسية، دشّنت أيضًا انتقالًا تدريجيًا من الإصلاح الجذري إلى الإصلاح التفاوضي أو التوافقي، وانتقل من منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق الانتظار السياسي، وهو ما سيمهّد لاحقًا لمرحلة التناوب التوافقي.
ثالثًا: التناوب التوافقي وحكومة عبد الرحمن اليوسفي (1998–2002) – الإصلاح كتنازل مُنظَّم
تُعد حكومة عبد الرحمان اليوسفي نقطة التحول الكبرى في تاريخ الإصلاح بالمغرب؛ فلأول مرة تدخل المعارضة التاريخية إلى «الحكم»، ويتم القبول بالإصلاح من داخل النظام، ليُقدَّم التناوب بوصفه نهاية الصراع السياسي بين القصر والمعارضة..
هذا التحول لم يمر دون ثمن، لقد كان الثمن باهظًا جدا في بعده السياسي..
– القبول بدستور (1996) ممنوح وغير ديمقراطي*،
– القبول بسلطات محدودة للوزير الأول،
– القبول بتوازنات مفروضة من بينها احتفاظ القصر بوزارات السيادة (الداخلية والخارجية والأوقاف)،
– القبول بتدبير الملفات دون المساهمة في القرار فيها من بينها منع وتوقيف بعض المنابر الإعلامية المستقلة..
هنا تحوّل الإصلاح من «مشروع سياسي» إلى «تسوية تاريخية»، الأمر الذي نتج عنه محاولة إصلاح بلا سلطة، وسلطة بلا رغبة في الإصلاح، ليبدأ لحظتها انخفاض السقف الإصلاحي بشكل رسمي.
رابعا: حكومة إدريس جطو (2002–2007): السكون السياسي وإدارة ما بعد التنازل عن الإصلاح
شكّلت حكومة إدريس جطو منعطفًا واضحًا في مسار العمل السياسي بالمغرب، إذ مثّلت انتقالًا صريحًا من منطق الإصلاح ولو في شكله الخجول والمحدود، إلى منطق التدبير التقني بدون رؤية سياسية..
فبعد تجربة التناوب التوافقي، التي رُوّج لها بوصفها ذروة المسار الإصلاحي، دخل المغرب مرحلة يمكن وصفها بـ «السكون السياسي المنظّم»، حيث تميّزت هذه المرحلة بـ:
– تراجع الخطاب الإصلاحي والدستوري،
– تغييب السياسة لصالح «الكفاءة» التقنية،
– حضور قوي للتكنوقراط على حساب الفاعلين السياسيين،
– إضعاف دور الأحزاب في صناعة القرار أو المساهمة فيه..
لم تكن حكومة جطو حكومة مواجهة، ولا حكومة إصلاح، بل حكومة تسيير هادئ لمرحلة ما بعد التراجع عن الإصلاح، بما يعنيه ذلك من إغلاق عملي لأفق التغيير السياسي، وتعويضه بمنطق “النجاعة” و“الحكامة” دون ربطها بالمحاسبة السياسية أو المساءلة الديمقراطية.
في هذه المرحلة، لم يُطرح سؤال الإصلاح السياسي أصلًا، وكأن التناوب التوافقي كان نهاية التاريخ الإصلاحي، لا بدايته.
خامسا: حكومة عباس الفاسي (2007–2011): عودة السياسة… ولكن خارج المؤسسات
مع حكومة عباس الفاسي، بدا ظاهريًا أن السياسة عادت إلى الواجهة، عبر قيادة حزبية تقليدية لرئاسة الحكومة. غير أن هذا الحضور لم يكن ببعد إصلاحي، ولا نفس سياسي، بل كشف هذا الواقع عن فراغ سياسي عميق داخل المؤسسات، وضعف فظيع لدى البنية الفكرية والتنظيمية لدى معظم الأحزاب السياسية.
ففي الوقت الذي عرفت فيه الأحزاب ضعفًا تنظيميًا وفكريًا، وحافظت فيه السلطة على بنيتها المخزنية التقليدية دون تغيير، توسعت فيه الفوارق الاجتماعية، وتزايد فيه الإحساس بانسداد الأفق السياسي.. فبدأت تظهر حركات احتجاجية اجتماعية متفرقة في مختلف مناطق المغرب العميق، عكست انتقال التعبير السياسي من المؤسسات إلى الشارع.
يمكن اعتبار هذه المرحلة مرحلة التمهيد غير المباشر لحركة 20 فبراير، حيث فشلت الحكومة في تقديم أفق إصلاحي مقنع، وتعمق بذلك فقدان الثقة في العملية السياسية، وأصبح الاحتجاج الاجتماعي بديلاً عن المشاركة السياسية.. وهنا برزت مفارقة أساسية، لأن عودة الحكومة الحزبية لم تؤدِّ إلى عودة الإصلاح، بل كشفت حدود السياسة الرسمية، ومحدودية الفاعل الحزبي في ظل سقف سياسي منخفض ومغلق.
تكمن أهمية ودلالة مرحلتي جطو وعباس الفاسي السياسية في كونهما جسّدتا توقف الإصلاح دون إعلان رسمي، ونقلتا السياسة من فضاء التغيير إلى فضاء التدبير الخاضع للتعليمات، أو الاحتجاج الناتج عن الغضب الشعبي.. وبذلك مهّدتا نفسيًا واجتماعيًا لانفجار 2011.
فإذا كانت مرحلة اليوسفي قد مثلت إصلاحًا متنازلًا عنه، فإن المرحلة التي جاءت بعدها مثّلت تعليقًا فعليًا للإصلاح، مع الإبقاء على واجهته المؤسساتية.
بهذا المعنى، فإن حكومتي إدريس جطو وعباس الفاسي لم يمثلا قطيعة مع مسار الإصلاح فحسب، بل جسدا مرحلة الجمود السياسي التي حوّلت الإصلاح من أفق للتغيير إلى ذكرى مؤجلة، ودفعت المجتمع إلى البحث عن قنوات تعبير خارج المؤسسات الرسمية والمنتخبة، وهو ما أفضي مباشرة إلى لحظة 20 فبراير.
* (أورد هذه الإشارة بوصفي شاهدًا مباشرًا على هذه الواقعة، بحكم حضوري الشخصي في سياقها السياسي والتنظيمي. ويتعلق الأمر بموقف دستور 1996، حيث اختار الدكتور عبد الكريم الخطيب، رحمه الله، رفض التصويت عليه ودعا إلى مقاطعته، ونُشر موقفه في بيان عبر جريدة الصحوة، في حين دعا عبد الإله ابن كيران إلى التصويت عليه بـ«نعم». وتُدرج هذه الإشارة هنا توثيقًا لاختلاف التقدير السياسي داخل التيار نفسه بخصوص سقف الإصلاح، لا من باب السرد الذاتي، بل استكمالًا للتحليل المتعلق بتحوّل الإصلاح من مشروع مبدئي إلى منطق تسوية وتنازل.)
يتبع: سقف الإصلاح السياسي بالمغرب (2):
من امتصاص الغضب (2011) إلى إنهاء الإصلاح (2021)

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *