رصد المغرب/ابراهيم سامي
بعيدا عن انتظارات هروب المرشد وتوقّع الانهيار الوشيك لنظام الحكم … تشهد إيران منذ أواخر عام 2025 موجة احتجاجات واسعة جاءت في سياق أزمة اقتصادية بنيوية تعصف بالبلد في ظلّ تواصل الحصار والعقوبات واختلال التّوازنات الماليّة والهدر على مستوى الانفاق الخارجي، غير أنّ هذه الاحتجاجات سرعان ما تجاوزت بعدها الاجتماعي لتلامس أسس الشرعية السياسيّة للنّظام. وهو ما يدعو تحليل طبيعة هذا الحراك، وبنيته الاجتماعية، وحدود تأثير العامل الخارجي فيه، ومدى امتلاك النّظام لمقومات الصّمود، وصولًا إلى الإشكالية المركزية التي يطرحها المشهد الراهن: إشكالية البديل السياسي في حال حدوث تصدّع في منظومة الحكم.
لا بدّ من الإشارة بداية أنّ الاحتجاجات التي تعرفها إيران منذ نهاية سنة 2025 لم تعد قابلة للاختزال في كونها ردود فعل ظرفية على تدهور اقتصادي دوريّ سبق أن أشعل تحرّكات احتجاجيّة ثمّ ما لبثت أن هدأت. العديد من التّقارير تشير إلى التّزامن في الأحداث الحاليّة بين الانهيار النّقدي، وارتفاع معدّلات التضخّم، واتّساع هشاشة الطبقة الوسطى، وتكرار موجات الغضب الاجتماعي، يكشف عن انتقال المجتمع الإيراني إلى طور الأزمة البنيويّة التي مهما تمكّن النّظام القائم من امتصاصها ستبقى أسبابها الموضوعيّة قائمة.
لذلك يبدو أنّ الحراك الراهن لا يعبّر فقط عن مطالب اجتماعيّة اقتصاديّة، بل عن اختلال عميق في علاقة الدّولة بالمجتمع، وعن تآكل متواصل لمصادر الشرعيّة السياسيّة والرّمزية للنّظام. وهو ما يؤشّر على أنّ ما تشهده إيران اليوم هو حراك مركّب، جذوره اجتماعيّة اقتصاديّة، لكن ديناميته ومآلاته سياسيّة، كما أنّ أهمّيته لا تكمن في حجمه، بل في الأسئلة التي يفتحها حول مستقبل النّظام وإمكانات ما بعده:
1- طبيعة الحراك: من الأزمة الاقتصادية إلى مساءلة الشرعيّة
انبثق الحراك في سياق تدهور اقتصادي حادّ، من مؤشّراته انهيار قيمة العملة، والارتفاع غير المسبوق في كلفة المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع حجم البطالة. ولا تعبّر هذه المؤشرات عن أزمة ظرفية، بل عن فشل هيكلي في نمط إدارة الاقتصاد، حيث يتداخل السّياسي بالأمني، والاقتصادي بالإيديولوجي وأعبائه الخارجيّة.
غير أنّ الانتقال السّريع من المطالب الاجتماعية إلى الشّعارات السياسيّة يدلّ على تحوّل نوعي في الهويّة المنظورة للحراك، فالاحتجاج لم يعد موجّهًا فقط ضدّ الحكومة في علاقة بالسّياسات الاقتصاديّة، بل بدأ يطال بنية النّظام نفسها، ومصادر سلطته، ونمط حكمه. هذا ما يمكن من توصيف الحراك الراهن باعتباره انتفاضة اجتماعية في أسبابها ومضامينها، ذات أفق سياسيّ في مسارها وأفقها.
2- البنية الاجتماعية للحراك وتحولاته
لعلّ أبرز مظاهر الحراك الرّاهن مقارنة بسابقيه هو الحضور اللّافت للنّظر للطّبقة الوسطى التي كانت حاضنة الثّورة، وشكّلت تاريخيًا أحد أعمدة الاستقرار النسبيّ بحكم ارتباطها بالاقتصاد المنظَّم وبمؤسسات الدّولة. غير أنّ تآكل هذه الطبقة حوّلها إلى فاعل احتجاجي برز من خلال انخراط فئات من التجّار والموظفين والمعلمين وأصحاب الأعمال الصّغيرة في هذا الحراك. وهو ما يشير إلى أنّ الأزمة لم تعد محصورة في الهوامش الاجتماعية، بل أصابت النسيج الوسيط الذي طالما كان عامل استقرار لمنظومة الحكم. ولا بدّ من الإشارة في هذا الصّدد أنّه من منظور علم الاجتماع السياسي، فإن دخول الطبقة الوسطى في دائرة الغضب والاحتجاج هو من أهم مؤشرات الانتقال من الحراك الاجتماعي إلى أزمة الشّرعية السّياسيّة.
المكوّن الثّاني لهذا الحراك هو الشّباب، وهو الفاعل المركزي الذي يجسّد القوة المحركة ميدانيًا ورمزيًا. وهو جيل لم يتكوّن وعيه السياسي في ظل لحظة الثّورة ولا في ظل سرديّاتها المؤسّسة، بل في سياق العزلة والعقوبات والتّشديد الثّقافي. وتكمن أهمية هذا الجيل في كونه أقل ارتباطًا بشرعيّة النظام الرمزيّة، وأكثر استعدادًا للمواجهة، وأقرب إلى التصوّر الكوني للحقوق والحرّيات. إنّ حضور الشّباب لا يمنح الحراك كثافة عدديّة فحسب، بل يمنحه روحا جديدا تقطع مع السّرديّات التي يستند إليها النّظام. القائم في سياساته الدّاخليّة والخارجيّة.
أمّا النساء فلم تعد مشاركتهنّ مقتصرة على قضايا النّوع الاجتماعي والمطالب التحرّريّة، بل اندمجت في الحراك العام بوصفها جزءًا من أزمة المجتمع. وهذا التحوّل ينقل المسألة النّسوية من خانة المطلبيّة إلى خانة إعادة تعريف المجال العام والسّلطة والمعايير الثقافية.
3- العامل الخارجي وحدود تأثيره
لا تؤشّر المعطيات الميدانية على اعتبار الحراك الرّاهن نتاجًا لتخطيط خارجي. فجذوره الاقتصادية والاجتماعية، وتنوّع فئاته، وامتداده الجغرافي، تؤكد جميعها دوافعه الداخليّة. غير أنّ هذا لا ينفي وجود تحريض واستثمار سياسيّ وإعلامي خارجي يسعى لتوظيفه ضمن صراعات النّفوذ الإقليمية والدّوليّة. وهو ما استغلّه النّظام لتسويق خطاب المؤامرة لنزع الشرعيّة عن الاحتجاج. إلا أنّ هذا الخطاب يبدو أقل قدرة على التّعبئة، في ظل أزمات معيشية ملموسة تُضعف فاعلية التفسير التّآمريّ .
4- مقومات الصمود وحدودها
لا يزال النظام الإيراني يمتلك عناصر قوّة معتبرة، من خلال تماسك أجهزته الأمنية والعسكريّة، والسيطرة المؤسّساتية على مفاصل الاقتصاد، وضعف التنظيم السّياسي للحراك.
وهو ما يجعل من سيناريو الانهيار السّريع احتمالًا ضعيفًا. غير أنّ هذه المقومات نفسها تتعرّض إلى استنزاف تراكمي، اقتصاديًّا واجتماعيًّا ورمزيًّا، لذلك ستكون عودة الاستقرار أقرب إلى إدارة أزمة دائمة منه إلى استقرار مستدام.
5- مأزق البديل السياسي
تتمثل المفارقة المركزية للمشهد الإيراني في التّباين بين اتساع رقعة الحراك وغياب البديل المنظم.
أمّا الطرح الملكي الذي يقع التّلويح به فحضوره ليس إلّا على نحو رمزي بلا عمق اجتماعي، إذ الدّعوات إلى عودة النظام الملكي أو رموزه تظل محكومة بمنطق الحنين السّياسي، وتفتقر إلى قاعدة تنظيمية داخلية أو مشروع جامع، كما أنّ الأجيال الجديدة لا تتماهى معها بوصفها أفقًا تحرريًا.
وليس وضع المعارضة التّقليديّة التي تقيم في الخارج ببعيد عن ذلك نظرا لما تعانيه من الانقسام، وضعف الامتداد الدّاخلي، وغياب مشروع موحّد قادر على التحوّل إلى سلطة بديلة
6- سيناريوات المستقبل
من السّيناريوات المحتملة التحوّل من داخل الدّولة في حال تصدّع حقيقي في منظومة الحكم، وهو ما يفتح الباب أمام محاولات لإعادة تركيب السّلطة من داخل المؤسّسات نفسها، وما يحتمله ذلك مخاطر إعادة إنتاج السلطويّة بدل تجاوزها.
ويبقى الانتقال التوافقي الاحتمال الأصعب لما يتطلّبه من تشكّل قيادة جماعيّة ومشروع وطني جامع بديل عن النّظام القائم الذي اهترأت سرديّته ووصل مشروعه إلى حالة من الانسداد، وهو ما لم تتبلور شروطه بعد.
أمّا سيناريو الضربة الإسرائيلية-الأمريكية المحتملة إن حصلت، فستكون غالبًا محدودة الأهداف (مواقع نووية، صواريخ باليستية، أو بنية تحتية عسكرية) وليس بالضّرورة محاولة لقلب النظام. بل يمكن أن تسهم في المزيد من تأجيج شعور الحصار الخارجي، وتعزيز خطاب النّظام حول المؤامرة ضد البلد، ورفع المعنويات في مواجهة تهديدات الخارج والدّعوة إلى توحيد الجبهة الداخليّة وهو ما يمكن أن يسهم في تعزيز مؤقت للوحدة حول النّظام، على اعتبار أنّ الحراك الحالي يمكن أن يشكّل خطرًا على الأمن القومي إذا اقترن بتدخّل خارجي.
وهذا ما يمكن أن يؤدّي إلى انخفاض مؤقّت لنسق الاحتجاجات لدى فئات تعتبر أن الوقت غير مناسب للمواجهة.
إنّ الحراك الإيراني الراهن ليس لحظة احتجاجية عابرة، بل تعبير عن أزمة بنيوية متعددة المستويات. وهو إذ يراكم ضغطًا اجتماعيًا وسياسيًا متزايدًا، فإنّه يكشف في الآن نفسه عن فراغ في الأفق السّياسي البديل.
إنّ مستقبل إيران لا يرتبط فقط بمآلات الشّارع، بل بقدرة الفاعلين الاجتماعيين على الانتقال من منطق الرّفض إلى منطق التأسيس، ومن الحالة الاحتجاجيّة إلى إنتاج مشروع سياسي، وبقدرة نظام الحكم على القيام بمراجعات جذريّة في بنية الحكم والسّياسات العموميّة التي لم تعد تستجيب للمستجدّات الحادثة سواء على المستوى المحلّي أو الإقليمي أو الدّولي.
حصيلة هذا التوصيف أنّ المشهد الإيراني كما يبدو ليس مفتوحا على لحظة حسم ثوريّ وشيكة، بل على مرحلة تاريخيّة طويلة من إعادة التشكّل.
شارك المقال























Leave a Reply