رصد المغرب / خالد راكز
الملخص
يسعى هذا المقال إلى تحليل الأسس المنهجية والنظرية للمشروع الأنثروبولوجي الذي بلوره عبد الله حمودي مع التركيز على ثنائية الفهم والتأويل بوصفها مدخلاً منهجياً لتحليل الظواهر الاجتماعية والثقافية في المجتمع المغربي
ينطلق البحث من فرضية مفادها أن دراسة الثقافة لا يمكن أن تقتصر على الوصف الإثنوغرافي أو التحليل البنيوي، بل تتطلب مقاربة تجمع بين فهم المعاني التي ينتجها الفاعلون الاجتماعيون وتأويل البنيات الرمزية التي تنتظم داخلها تلك المعاني.
يعتمد المقال على مقاربة تحليلية، تستلهم تقاليد السوسيولوجيا التفهمية لدى ماكس فيبر، والأنثروبولوجيا التأويلية عند كليفورد غيرتز، ومفهوم السلطة الرمزية لدى بيير بورديو، ويخلص البحث إلى أن مشروع حمودي. يمثل محاولة لتحرير الأنثروبولوجيا المغاربية عبر إدماج التحليل الثقافي بالتأويل النقدي للبنيات الاجتماعية والرمزية.
مقدمة
شهدت الأنثروبولوجيا المغاربية منذ سبعينات القرن العشرين تحولات منهجية عميقة ، انتقلت فيها من المقاربات الوصفية التي ميزت الدراسات الكولونيالية إلى مقاربات نقدية تسعى إلى حمودي فهم المعنى الثقافي للممارسات الاجتماعية. وفي هذا السياق، يبرز مشروع عبد الله كأحد المشاريع الفكرية التي سعت لإعادة بناء أدوات تحليل المجتمع المغربي.
ينطلق حمودي من نقد مزدوج نقد التصورات الكولونيالية ونقد المقاربات البنيوية وبدل ذلك، يقترح مقاربة تجمع بين الفهم والتأويل، حيث يصبح فهم المعاني التي ينسجها الفاعلون شرطاً لتأويل البنيات الاجتماعية التي تنتظم داخلها هذه المعاني
أولا : الفهم كمدخل لتحليل المعنى الاجتماعي
يرتبط مفهوم الفهم في العلوم الاجتماعية أساساً بالتقليد التفهمي الذي أسسه ماكس فيبر، حيث اعتبر أن مهمة علم الاجتماع هي تفسير الفعل الاجتماعي من خلال المعاني التي يعطيها الفاعلون لأفعالهم. وقد أثرت هذه المقاربة في الأنثروبولوجيا الحديثة، وخاصة في أعمال كليفورد غيرتز الذي دعا إلى قراءة الثقافة بوصفها نسقاً من المعاني.
في هذا الإطار، يتعامل حمودي مع الممارسات الاجتماعية في المجتمع المغربي بوصفها ممارسات ذات معنى رمزي. فالطقوس الدينية والعلاقات الصوفية وبنيات السلطة التقليدية لا يمكن فهمها بوصفها مؤسسات اجتماعية فحسب، بل يجب تحليلها كأنظمة رمزية تنتج معاني خاصة داخل سياقها الثقافي.
وقد تجلى هذا المنهج بوضوح في دراسته سلطة بسيطة لعلاقة الشيخ والمريد في الزوايا الصوفية، حيث أظهر أن هذه العلاقة لا يمكن اختزالها في علاقة سلطة بسيطة، بل علاقة معقدة تجمع الطاعة الروحية والشرعية الرمزية.
ثانيا : التأويل وتحليل البنيات الرمزية
إذا كان الفهم يهدف إلى إدراك المعاني التي يمنحها الفاعلون الاجتماعيون، فإن التأويل يسعى إلى كشف البنيات الرمزية التي تنتظم داخلها تلك المعاني. وهنا يقترب مشروع حمودي من الأنثروبولوجيا التأويلية التي طورها كليفورد غيرتز .
فالثقافة في هذا المنظور ليست مجموعة من العادات والتقاليد بل هي منظومة من الرموز التي تمنح الأفعال الاجتماعية معناها ولذلك فإن الأنتروبولوجيا لا تقتصر على وصف الممارسات الاجتماعية بل تأويل دلالتها الرمزية ومن خلال هذا المنهج، قام الحمودي بتحليل المفاهيم مثل الطاعة والشرف والسلطة في المجتمع المغربي، مبينا أن هذه المفاهيم ليست مجرد قيم أخلاقية بل تشكل عناصر داخل نظام رمزي بعد إنتاج علاقات السلطة داخل المجتمع.
ثالثا : نقد الأنثروبولوجيا الكولونيالية
يشكل نقد الدراسات الكولونيالية محوراً مركزياً في المشروع الأنتروبوليجي لعبد الله الحمودي، فقد اعتمدت العديد من الدراسات على مفاهيم اختزالية مثل مفهوم القبيلة لتفسير البنية الاجتماعية في المغرب غير أن حمودي يرى أن هذه المفاهيم لم تعكس التعقيد الحقيقي للمجتمع المغربي بل تعكس في كثير من الأحيان تصورات أيديولوجية مرتبطة بالباحث الاستعماري : لذلك يدعو قراءة المجتمع المغربي داخل منطق الثقافة المحلية، بل خارج نماذج تفسيرية جاهزة.
رابعا : السلطة الرمزية وإعادة إنتاج التراتبية الاجتماعية
يتقاطع الحمودي مع نظرية السلطة الرمزية لدى بيير بورديو، حيث يشير إلى أن السلطة لا تمارس فقط عبر المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية بل أيضا عبر الرموز والمعاني الثقافية.
فالطقوس الدينية والعلاقات الصوفية والتراتبية الاجتماعية تشكل البنيات الرمزية لإعادة إنتاج السلطة داخل المجتمع وتحليل هذه الظواهر يبين حمودي أن السلطة في المجتمع المغربي لا يمكن فهمها دون محيا البعد الرمزي والثقافي الذي يؤسس لها .
شارك المقال























Leave a Reply