من “ضمير اليسار” إلى “بيروقراطية البقاء”

رصدالمغرب / عبدالكبير بلفساحي


يشكل مسار الحزب الاشتراكي الموحد في المغرب مادة دسمة للتحليل السياسي، ليس فقط لكونه وريثا لتاريخ عريض من النضال اليساري، من “23 مارس” إلى “منظمة العمل الديمقراطي الشعبي”، بل لأنه كان يمثل “الملاذ الأخير” للمثقفين والشباب الحالمين بتغيير راديكالي من داخل المؤسسات. إلا أن المتتبع للمسار الأخير للحزب، يلحظ تحولا بنيويا وتكتيكيا يصفه الكثيرون بـ “الانحدار من الراديكالية الأخلاقية إلى البراغماتية الإدارية”.

فمن “النقد الجذري” إلى “الصراع التنظيمي” لطالما استمد الحزب قوته من الرمزية الأخلاقية، فكان الحزب الذي لا يساوم، والحزب الذي يطرح سقف “الملكية البرلمانية” بوضوح. لكن هذا البريق بدأ بالخفوت مع طغيان الصراعات الداخلية على النقاش الإيديولوجي.

كما أن هناك الانشقاقات المتتالية، حيث خروج تيار “اليسار الوحدوي” ومكونات من “فيدرالية اليسار” لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل كان مؤشرا على عجز الحزب عن تدبير التعددية بداخله، مما حوله من “جبهة عريضة” إلى “قلعة محصنة” تضيق بكل من يخالف القيادة.

وأيضا هناك التخلي عن “المعارضة الشاملة” والارتباك الموقفي، حيث تاريخيا، كان الاشتراكي الموحد يمارس معارضة لا تكتفي بنقد الحكومة، بل تنقد “بنية الاستبداد” والسياسات العمومية الكبرى. والتحول نحوالمركز“، حيث لوحظ في الخطاب الأخير للحزب نوع من “المهادنة” غير المعلنة أو التركيز على قضايا تقنية فرعية، والابتعاد عن الصدام الجبهوي مع مراكز القرار الحقيقية.

زد على ذلك عقدة “الحزب الإداري”حيث  يرى نقاد أن الحزب بدأ يسقط في فخ “الإدارة”، أي الاهتمام بالبقاء التنظيمي، والحصول على الدعم العمومي، والبحث عن موطئ قدم في الخريطة الانتخابية بأي ثمن، وهو ما جعله يشبه الأحزاب التي كان يصفها بـ “الإدارية” (أو أحزاب الدولة) في طريقة اشتغالها وتدبيرها لولاءات الأعضاء.

وكذلك السقوط في فخ “الشعبوية النخبوية”، حيث بدلا من الراديكالية الفكرية التي تبني البدائل، انزلق الحزب في بعض المحطات نحو نوع من الشعبوية التي تداعب العواطف دون تقديم مشروع سياسي متكامل. هذا التذبذب جعل الحزب يفقد بوصلته كقوة اقتراحية يسارية، ليصبح مجرد “صوت محتج” يفتقد للأدوات الفعلية للتغيير.

وهناك أيضا تداعيات فقدان الحاضنة الشعبية والشبابية، حيث النتيجة الحتمية لهذا المسار كانت، عزوف الشباب. لأن الحزب فقد جاذبيته لدى الحركات الاحتجاجية الجديدة (مثل حراك الريف أو التنسيقيات التعليمية) التي رأت في خطاب الحزب نوعا من “التعالي” أو “الانتهازية السياسية”. وأيضا هناك عزلة سياسية، وذلك بتخليه عن مشروع “فيدرالية اليسار” القوي، وجد الحزب نفسه وحيدا، يصارع من أجل عتبة انتخابية، بدلا من قيادة قطب ديمقراطي وازن.

خلاصة القول، فإن تحول الحزب الاشتراكي الموحد من ضمير اليسار إلى حزب يدير أزماته يمثل نكوصا للمسار الديمقراطي المغربي بأسره. لأن المسألة ليست مجرد تراجع في عدد المقاعد، بل هي تآكل في الوظيفة التاريخية، حيث عندما يتخلى حزب راديكالي عن “المعارضة الجذرية” ليصبح حزبا يطمح فقط للاستمرار الإداري، فإنه يفقد مبرر وجوده، ويتحول إلى رقم إضافي في معادلة سياسية يطبعها الركود.

وللتوضيخ، فإن الراديكالية ليست صراخا في وجه السلطة، بل هي القدرة على تقديم بديل بنيوي، وعندما تغرق الأحزاب في تدبير شؤونها الصغيرة، تبتلعها البيروقراطية وتلفظها الجماهير.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *