الرحامنة بين منطق الدولة الاستثمارية وسؤال العدالة الترابية

رصد المغرب / عبد الهادي المزراوي


تشهد مناطق واسعة من إقليم الرحامنة حالة احتقان متصاعدة على خلفية نزع أراض لفائدة مشاريع استثمارية كبرى تقودها مؤسسات عمومية أو شبه عمومية، وفي مقدمتها المكتب الشريف للفوسفاط. هذا التوتر لا يمكن اختزاله في مجرد خلاف حول التعويضات، بل يعكس إشكالا أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المحلي، وحدود التوازن بين متطلبات التنمية وحقوق الساكنة.

في قلب هذا الملف تبرز خصوصية البنية العقارية بالرحامنة، حيث تندرج مساحات واسعة ضمن نظام الأراضي السلالية، الخاضعة لوصاية وزارة الداخلية المغربية. هذا الإطار القانوني يجعل السكان في موقع ذوي حق الانتفاع بدل المالكين المباشرين، وهو ما يضعف قدرتهم التفاوضية ويجعلهم عمليا خارج دائرة القرار حين يتعلق الأمر بتفويت الأرض أو تحديد قيمتها. هكذا تتحول علاقة السكان بأرضهم من علاقة ملكية متجذرة إلى وضع قانوني هش، يفتح الباب أمام اختلالات في ميزان القوة.

رغم أن نزع الملكية في المغرب مؤطر قانونيا بمقتضى القانون رقم 7.81، الذي يشترط إعلان المنفعة العامة ويتيح إمكانية الطعن القضائي، فإن الإشكال لا يكمن في النص بقدر ما يظهر في الممارسة. فشهادات متطابقة تتحدث عن ضعف التواصل، وغياب إشراك فعلي للساكنة، بل وعن توصل بعضهم بمبالغ مالية عبر وسائط مثل بريد بنك دون أي توضيح لطبيعة التقييم أو معاييره. هذا النمط من التدبير يعمق الشعور بالتهميش، ويغذي انطباعا بغياب الشفافية، حتى وإن كانت الإجراءات من الناحية الشكلية قانونية.

مسألة التعويض بدورها تمثل نقطة توتر أساسية. فبينما يفترض أن يُحدد وفق معايير تقنية تأخذ بعين الاعتبار طبيعة الأرض وموقعها وقيمتها السوقية، يرى كثير من المتضررين أن التقييم يتم بشكل أحادي، دون خبرة مستقلة تمثلهم، ودون تفاوض حقيقي. هنا يتحول التعويض من آلية إنصاف إلى مصدر إضافي للاحتقان، خاصة حين يقدم كأمر واقع غير قابل للنقاش.

غير أن جوهر الأزمة يتجاوز البعد المادي. فالأرض في الرحامنة ليست مجرد وعاء للاستثمار، بل هي عنصر مركزي في الهوية الجماعية والذاكرة الاجتماعية. نزعها دون حوار كاف لا يفهم فقط كخسارة اقتصادية، بل كمساس بالكرامة والاعتبار. من هذا المنظور، يصبح الإشكال سياسياً بامتياز: كيف يمكن للدولة أن تدفع بعجلة الاستثمار دون أن تفقد ثقة مواطنيها؟

طرح فرضية الاستهداف التاريخي للرحامنة قد يجد صداه في الذاكرة الجماعية، لكنه يظل صعب الإثبات على مستوى التحليل الموضوعي. الأرجح أن ما يحدث يعكس اختلالاً بنيوياً في نموذج تدبير الاستثمار العمومي، حيث يتم تغليب منطق السرعة والنجاعة الاقتصادية على حساب آليات التشاور والوساطة. كما يكشف عن محدودية أدوار الفاعلين المحليين، من نواب سلاليين وسلطات ترابية، في تأطير هذا التحول والدفاع عن مصالح الساكنة.

في المقابل، تظل أمام المتضررين مسارات قانونية ومؤسساتية، من بينها اللجوء إلى المحاكم الإدارية للطعن في قيمة التعويض، أو طلب خبرات مستقلة، أو التنظيم في إطار جمعيات وتنسيقيات لفرض التفاوض، فضلاً عن إمكانية الترافع لدى المجلس الوطني لحقوق الإنسان. غير أن فعالية هذه المسارات تظل رهينة بمدى توازن القوة بين الأطراف، وبمدى استعداد المؤسسات للإنصات.

في النهاية، تكشف قضية الرحامنة عن مفارقة حادة في النموذج التنموي: مشاريع كبرى تنجز باسم المصلحة العامة، لكنها قد تنتج شعوراً بالظلم إذا لم تواكب بحكامة شفافة وعدالة تعويضية حقيقية. الرهان اليوم ليس فقط في إنجاح الاستثمار، بل في إعادة بناء الثقة، عبر إشراك فعلي للساكنة، وضمان كرامتهم، وتحويل الأرض من مصدر صراع إلى رافعة تنمية مشتركة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *