حين يتحول تجديد الخطاب إلى إعادة طحن القديم

رصد المغرب/الدكتور ادريس الكنبوري 

كلما كتب أصحاب القراءة الجديدة للقرآن شيئا عن القرآن تبين أنهم لم يقرأوا القرآن، فهم يحركون الطاحونة ويحدثون صخبا تسمعه من بعيد فتظن أنهم يطحنون الشعير، وحين تقترب تجدهم يطحنون بول البعير.
وقد قرأت هذا الصباح قصاصة عن تقديم السيدة أسماء المرابط في معرض الكتاب كتابها الجديد الذي يحمل عنوانا غريبا جدا هو”أخلاق القرآن المنسية”!!! والعنوان وحده كاف لمعرفة حركة الطاحونة دون الاقتراب منها. كل من أراد أن يكتب شيئا يتميز به لا بد أن يقول بأنه الأول وبأنه كريستوفر كولومبوس الإسلام، الشخص الذي اكتشف القارة المجهولة.
وكما فعل كولومبوس وأتباعه حين مسحوا أمريكا من السكان الأصليين يمسح هؤلاء تاريخ الإسلام من سكانه الأصليين ويجعلون أنفسهم أصحاب البلد. وهكذا ظلت أخلاق قرآنية منسية طيلة 15 قرنا، ما اكتشفها النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا التابعون ولا الصوفية ولا الفقهاء ولا المفسرون ولا الكلاميون ولا الفلاسفة ولا عامة المسلمين!!!!.
وقد قرأت أن السيدة المرابط قالت بأن “أسس هذه القراءة الأخلاقية للقرآن” هي التوحيد والعقل والعدل والرحمة والعمل الصالح!!!! ولا أفهم كيف نسيت أن المعتزلة كانوا يسمون أهل العدل والتوحيد في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، وأن العقل كان أكثر الموضوعات التي خاض فيها أصحاب الكلام، وأن الرحمة كانت أهم قضية اهتم بها علماء التربية في الإسلام المبكر، وأن العمل الصالح كان محور الصوفية، وأن هذه كلها شجرة واحدة ذات أغصان. فالقضية إذن قضية إسلام منسي لا أخلاق منسية.
كل هؤلاء تعلموا على يد محمد شحرور كبيرهم الذي علمهم السحر.
ولكن فلنسأل أنفسنا: لمن يكتب هؤلاء؟
الجواب سوف يفاجئ الكثيرين.
إنهم لا يكتبون للمسلمين لأن المسلمين يعرفون الإسلام، ولو مجرد معرفة، ولا يكتبون لعلماء المسلمين طبعا، ولا لطلبة الدراسات الإسلامية أو الفلسفة، ولا للتلاميذ الذي يدرسون مادة التربية الإسلامية، ولا للباحثين في الإسلام، فلو فعلوا ذلك لأثاروا السخرية، لأنهم بالنسبة إليهم لا يأتون بجديد، وإنما هو طحن قديم يعاد طحنه، بل يكتبون لفريق من الناس لا يعرفون حقيقة الإسلام من مصادره، وللعلمانيين الذين يجدون كل طحن جديد مثيرا ومبهرا، ولذلك هم يعيشون في زاوية محددة لديهم جمهور غير جمهور العلماء والباحثين والمفكرين.
إن أخلاق القرآن المنسية هي الأخلاق المنسية في الممارسة السياسية لدى الدولة، وفي إناطة المسؤوليات إلى غير أهلها. لو أن السيدة المرابط كتبت عن الأخلاق المنسية كالأمانة والمسؤولية والنزاهة ومحاربة الفساد والعدالة (وليس العدل) ومحاسبة الحاكم وصيانة بيت المال والرشوة لجاءت بجديد فعلا في ظروفنا الحالية، أما ما سمته الأخلاق المنسية المشار إليها فهي أخلاق فردية، والمسلمون اليوم بحاجة إلى إحياء الأخلاق الجماعية السياسية.
ولكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك لأنها سوف تصطدم مع المخزن، فالجميع اليوم يهرب من المسؤولية حتى من يدعي أنه باحث أو مفكر، وكلهم يتوجه إلى المواطن، وليس أدل على هذا من خطب الجمعة التي تخاطب المواطن كل أسبوع وكأنه المسؤول عن الفساد والفقر، فهؤلاء لا يختلفون عن الخطيب الذي يسير مع ما هو مكتوب له.
منذ سبعين عاما وخطباء المساجد يخطبون في المصلين ولم يتغير شيء، لأن الخطبة لا تتوجه إلى المسؤولين. إن مليون خطبة في العامة لا تحرك العامة، لكن خطبة واحدة في المسؤولين تحرك العامة والخاصة، ولا أدل على هذا من أن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تطرد أي خطيب يتجاوز ما هو مرسوم له، لأن الخروج عن المرسوم يغير.
لذلك فإن الكاتب الذي لا يخرج عن المرسوم لن يقدم جديدا.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *