الصراع المركب في مالي أبعاد الهوية، السلطة، الثروة، والتنافس الجيوسياسي في منطقة الساحل

رصد المغرب / عبدالفتاح الحيداوي


مقدمة

تعتبر مالي بقلبها النابض في منطقة الساحل الأفريقي، مسرحا لأزمة معقدة ومتعددة الأوجه تتجاوز بكثير التصورات التقليدية التي تختزلها في مجرد حرب ضد الإرهاب. فالصراع المالي، الذي تصاعدت وتيرته بشكل ملحوظ منذ عام 2012، يكشف عن تداخل عميق بين قضايا الهوية، والتهميش التاريخي، والصراع على السلطة والثروة، بالإضافة إلى التنافس الجيوسياسي الإقليمي والدولي. هذه الأبعاد المتشابكة جعلت من فهم الأزمة المالية تحديا كبيرا، وتتطلب تحليلا معمقا يتجاوز السرديات المبسطة.

تهدف هذه الدراسة إلى التوسع في تحليل الصراع في مالي من منظور أكاديمي شامل، معتمدة على مراجع عربية وفرنسية، وذلك لتفكيك العوامل البنيوية والتاريخية التي أسهمت في تأجيج الأزمة، واستكشاف ديناميات الفاعلين المتعددين، وتسليط الضوء على الأبعاد الإقليمية والدولية التي تشكل مسار الصراع. كما تسعى الدراسة إلى تقديم تحليل رصين يسهم في فهم أعمق لهذه الأزمة المحورية في منطقة الساحل.

تعتمد هذه الدراسة على المنهج التحليلي الوصفي، حيث سيتم تحليل المعطيات التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للصراع، مع الاستناد إلى الأدبيات الأكاديمية والمقالات البحثية المتخصصة باللغتين العربية والفرنسية، لتقديم رؤية متكاملة حول طبيعة الأزمة وتداعياتها.

الفصل الأول: الجذور التاريخية والبنيوية للصراع في مالي

قضية الأزواد في الشمال المالي تعتبر حجر الزاوية في فهم الجذور التاريخية للصراع. فمنذ الحقبة الاستعمارية، عانت مناطق الطوارق والعرب من التهميش والإقصاء السياسي والاقتصادي، وهو ما استمر بعد استقلال مالي مع تركيز السلطة والثروة في الجنوب [1]. هذا التهميش أدى إلى شعور متزايد بالاغتراب عن الدولة المركزية وتكرار التمردات المسلحة. لا ينظر سكان الشمال إلى أنفسهم كمجرد أقلية داخل الدولة المالية، بل كامتداد تاريخي ومجالي لفضاء صحراوي عابر للحدود، مما يجعل مطالب الحكم الذاتي تعبيرا عن أزمة هوية وتوزيع سلطة أكثر من كونها نزعة انفصالية بسيطة.

لقد شهد شمال مالي، على وجه الخصوص، عقودا من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث ظل عدم الاستقرار وحركات التمرد سمة دائمة من سمات الوضع المالي [1]. التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين إقليمي مالي الرئيسيين (الشمال والجنوب) وشعور سكان الشمال، وفي مقدمتهم الطوارق، بمحاباة إقليم الجنوب ببرامج التنمية على حساب إقليمهم، أو على الأقل فشل سياسات التنمية في الشمال، كان عاملا رئيسيا في تغذية عدم الاستقرار [1]. علاوة على ذلك، فإن التنوع الإثني وهيمنة إثنية واحدة على مقاليد الحكم منذ الاستقلال، عززت الشعور بعدم الانتماء لدى الطوارق والأقليات الإثنية الأخرى في الشمال، التي أصبحت تنظر إلى الدولة كممثلة لمجموعة إثنية أو قبلية تهيمن على باقي الإثنيات والقبائل [1].

عمقت الانقلابات العسكرية المتتالية، خاصة انقلاب 2012 ثم انقلاب 2020 بقيادة الجنرال أسيمي غويتا، هشاشة الدولة وأسهمت في تآكل شرعية المؤسسات السياسية [المحتوى الأصلي]. تحولت البلاد تدريجيًا نحو عسكرة الحكم والاعتماد على المقاربة الأمنية بدل معالجة الأسباب البنيوية للصراع. هذه الانقلابات لم تضعف الدولة فحسب، بل فتحت الباب أمام مزيد من عدم الاستقرار، مما أثر سلبا على قدرة الحكومة على بسط سيطرتها وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين.

لقد جرت حركة التمرد في 2012 في وقت كانت فيه الحكومات المالية في أضعف حالاتها، حيث أطاح انقلاب عسكري بالرئيس أمادو توماني توري في 22 مارس 2012. وأصبحت السمة الرئيسية للوضع في العاصمة المالية باماكو هي صراع على السلطة في ظل توازن قوى هش بين النخب السياسية المدنية والانقلابيين العسكريين الذين أمسكوا بزمام السلطة [1]. هذا الوضع السياسي الهش ساهم بشكل كبير في تفاقم الأزمة الأمنية في الشمال، وفتح المجال أمام الجماعات المسلحة لتوسيع نفوذها.

الفصل الثاني: ديناميات الصراع: الفاعلون واقتصاد الحرب 

لا يمكن فهم الصراع في مالي بوصفه مجرد مواجهة أمنية بين الدولة والجماعات المسلحة، بل هو صراع مركب تتداخل فيه الأبعاد السياسية والعرقية والاقتصادية والجيوسياسية بصورة تجعل من الحرب بنية مستدامة أكثر من كونها أزمة ظرفية قابلة للحل السريع. فالمشهد المالي يشهد تعددا في الفاعلين، حيث تتواجه السلطة العسكرية المركزية مع الحركات الأزوادية ذات الطابع القومي أو الانفصالي، إلى جانب التنظيمات الجهادية المرتبطة بشبكات عابرة للحدود، فضلا عن الميليشيات المحلية والجماعات القبلية التي تتحرك وفق منطق المصالح والحماية الذاتية. هذا التعدد لا يعكس فقط تعقيد البنية الاجتماعية والسياسية في مالي، بل يكشف أيضا عن هشاشة الدولة الوطنية التي فشلت منذ الاستقلال في بناء عقد اجتماعي قادر على استيعاب التنوع الإثني والمجالي داخل البلاد.

وقد استفادت الجماعات الجهادية، وعلى رأسها جبهة نصرة الإسلام والمسلمين، من هذا الفراغ البنيوي لتوسيع نفوذها داخل الأوساط المحلية، ليس فقط عبر القوة المسلحة، بل أيضا من خلال توظيف المظالم الاجتماعية والتوترات العرقية المتراكمة. فهذه التنظيمات أدركت مبكرا أن استمرارها لا يتحقق بالعمل العسكري وحده، وإنما عبر الاندماج داخل البنى الاجتماعية التقليدية، لذلك عملت على بناء تحالفات مع بعض القبائل والزعامات المحلية، وقدمت نفسها في أحيان كثيرة باعتبارها قوة قادرة على فرض الأمن أو حل النزاعات القبلية، خاصة في المناطق التي غابت عنها مؤسسات الدولة أو تحولت فيها السلطة الرسمية إلى مجرد حضور رمزي. وفي هذا السياق برزت شخصيات مثل إياد أغ غالي وأمادو كوفا، اللذين نجحا في إعادة صياغة الخطاب الجهادي بما يتلاءم مع الخصوصيات المحلية، عبر المزج بين المرجعية الدينية وخطاب التهميش الاجتماعي والدفاع عن المجتمعات المهمشة، خصوصا الطوارق والفولاني. وقد منح هذا التكيف المحلي التنظيمات الجهادية قدرة كبيرة على التجذر داخل البيئة الاجتماعية، وحولها من جماعات وافدة إلى فاعلين محليين يمتلكون امتدادات اجتماعية معقدة.

كما أن الصراع في مالي لم يعد منفصلا عن التحولات الاقتصادية المرتبطة بالحرب، إذ تشكلت مع مرور الوقت شبكة مصالح واسعة حول اقتصاد العنف والفوضى. فقد تحولت الموارد الطبيعية، خاصة الذهب، إلى عنصر أساسي في تمويل الجماعات المسلحة، سواء عبر السيطرة المباشرة على بعض المناجم أو عبر فرض الإتاوات على عمليات الاستخراج والنقل والتجارة. وتزداد أهمية الذهب في الحالة المالية بسبب موقع مالي كواحدة من أكبر الدول المنتجة للذهب في إفريقيا، ما جعل هذا المورد محوراً للتنافس بين الدولة والجماعات المسلحة والشركات الأجنبية والقوى الدولية. وإلى جانب الذهب، لعبت طرق التهريب العابرة للصحراء دوراً مركزياً في تغذية اقتصاد الحرب، حيث تحولت مناطق واسعة من الشمال والوسط إلى فضاءات مفتوحة لتهريب السلاح والمخدرات والوقود والبشر، في ظل ضعف الرقابة الحدودية واتساع المجال الصحراوي.

هذا الوضع أدى إلى تشكل ما يمكن تسميته بـ)اقتصاد الحرب( وهو نمط اقتصادي يقوم على استمرار النزاع باعتباره مصدرا للربح والنفوذ بالنسبة لعدد كبير من الفاعلين. فالحرب هنا لا تنتج فقط الدمار، بل تخلق أيضا شبكات اقتصادية تستفيد من غياب الاستقرار، سواء تعلق الأمر بالجماعات المسلحة أو بعض النخب المحلية أو شبكات التهريب الإقليمية وحتى بعض الفاعلين داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم فإن استمرار الصراع لا يرتبط دائما بالأهداف الإيديولوجية أو السياسية المعلنة، بل أحيانا بالمصالح الاقتصادية التي تشكلت حول الحرب نفسها. ولذلك تصبح عملية السلام مهددة باستمرار، لأن إنهاء النزاع قد يعني بالنسبة لبعض الأطراف فقدان مصادر التمويل والنفوذ التي راكمتها خلال سنوات الحرب.

يكشف هذا الواقع عن تحول الصراع في مالي من تمرد سياسي محدود إلى أزمة بنيوية متعددة المستويات، تتداخل فيها الحسابات المحلية مع التنافسات الإقليمية والدولية. فالتدخلات الخارجية، سواء الفرنسية سابقا أو الروسية لاحقا، لم تؤدِ إلى تفكيك بنية العنف، بل ساهمت أحيانا في إعادة إنتاجه ضمن توازنات جديدة، لأن المقاربات الأمنية ركزت غالبا على البعد العسكري دون معالجة الأسباب العميقة المرتبطة بالتهميش وضعف التنمية وغياب العدالة في توزيع السلطة والثروة. كما أن عسكرة المجال السياسي بعد الانقلابات العسكرية المتتالية زادت من تعقيد الأزمة، حيث أصبح النظام الحاكم يعتمد بصورة متزايدة على الخطاب السيادي والأمني لتبرير استمرار السلطة العسكرية، في وقت تتوسع فيه رقعة العنف وتتراجع قدرة الدولة على بسط نفوذها الفعلي.

وعليه، فإن فهم ديناميات الصراع في مالي يقتضي تجاوز التفسيرات الاختزالية التي تحصر الأزمة في الإرهاب فقط، لأن الجماعات المسلحة ليست سوى أحد تجليات أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة ما بعد الاستعمار، وحدود مشروع بناء الأمة الوطنية في مجتمع متعدد الإثنيات والمصالح والهويات. كما أن استمرار اقتصاد الحرب يجعل من النزاع بنية متجذرة يصعب تفكيكها عبر الحلول العسكرية وحدها، ما يفسر استمرار حالة عدم الاستقرار رغم تعدد التدخلات الأمنية والإقليمية والدولية.

الفصل الثالث: الأبعاد الإقليمية والدولية للصراع

مالي تعتبر ساحة مفتوحة للتنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى. تراجع النفوذ الفرنسي التقليدي بعد تصاعد الخطاب الشعبي المعادي لباريس، مقابل صعود النفوذ الروسي عبر الحضور الأمني والاقتصادي المرتبط بمجموعة فاغنر وقطاع التعدين. كما يبرز دور الجزائر كوسيط إقليمي تاريخي، إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإيران، حيث تنظر جميع هذه القوى إلى مالي بوصفها نقطة استراتيجية في منطقة الساحل الغنية بالموارد والحساسة أمنيا .

لقد كان التدخل العسكري الفرنسي في مالي، والذي بدأ في عام 2013، يهدف رسميا إلى استعادة السيطرة على المدن الرئيسية التي وقعت في قبضة المجموعات الإسلامية المتطرفة المتحالفة مع المتمردين الطوارق [1]. ومع ذلك، فإن هذا التدخل لم يكن مفاجئا، حيث كانت فرنسا اللاعب الأكثر انغماسا في الأزمة المالية منذ اندلاعها في عام 2012، وكانت صاحبة الدور الرئيسي في تدويل الأزمة وحشد الدعم الإقليمي والدولي [1]. مصالح فرنسا الاقتصادية في منطقة الغرب الأفريقي كانت عاملا تفسيريا اخر لاستراتيجيتها في هذا الإقليم، حيث أن تهديد استقرار مالي يهدد مصالح فرنسا الاقتصادية في بلدان أخرى بالمنطقة [1].

مثلت هجمات 25 أبريل 2026 تحولا خطيرا في مسار الصراع، بعدما أظهرت قدرة جبهة تحرير أزواد وجبهة نصرة الإسلام والمسلمين على تنفيذ هجمات واسعة ومتزامنة شملت الشمال والوسط وحتى محيط العاصمة باماكو، بما كشف هشاشة الدولة وفشل المقاربة العسكرية في احتواء الأزمة. يناقش التحالف المؤقت بين الحركات الأزوادية والجماعات الجهادية، معتبرا أنه تحالف براغماتي فرضته الضرورات العسكرية أكثر مما يعكس تقاربا فكريا أو مشروعا سياسيا موحدا. هذه التحالفات المعقدة والمتغيرة تزيد من صعوبة إيجاد حلول مستدامة للصراع، حيث تتداخل الأهداف والمصالح بين الفاعلين المختلفين.

الخاتمة

في الختام، تظهر أزمة مالي أنها في جوهرها صراع مركب حول الهوية والسلطة والثروة والنفوذ الدولي. إن اختزالها في الحرب على الإرهاب يخفي الأسباب البنيوية الحقيقية المرتبطة بالتهميش التاريخي وفشل بناء الدولة الوطنية العادلة. إن استمرار التدخلات الخارجية، وتغول اقتصاد الحرب، وغياب حلول سياسية شاملة، كلها عوامل تجعل الصراع مفتوحا على احتمالات أكثر تعقيدا. لن يتحقق أي استقرار حقيقي إلا عبر معالجة قضايا العدالة والتنمية وإعادة توزيع السلطة والثروة بين مختلف مكونات المجتمع المالي.

تتطلب معالجة هذه الأزمة مقاربة شاملة ومتكاملة تتجاوز الحلول الأمنية البحتة، وتركز على الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية. يجب أن تتضمن هذه المقاربة تعزيز الحكامة الرشيدة، وتحقيق التنمية المتوازنة بين جميع مناطق البلاد، ومعالجة المظالم التاريخية، وتعزيز المصالحة الوطنية، وإشراك جميع الأطراف الفاعلة في عملية سياسية شاملة. كما يجب على المجتمع الدولي أن يدعم هذه الجهود بطريقة تضمن احترام سيادة مالي وتطلعات شعبها، وتجنب التدخلات التي قد تزيد من تعقيد الأزمة.

المراجع

•[1] وحدة الدراسات السياسية. (2013). أزمة مالي والتدخل الخارجي. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. https://www.dohainstitute.org/ar/PoliticalStudies/Pages/Frances_Recent_Military_Intervention_in_Mali.aspx

•[2] Diarra, D., & Coulibaly, S. (2022). Architecture d’un système de détection des fraudes dans les prescriptions médicales avec l’assurance maladie obligatoire (AMO). Malian Symposium of Applied Sciences – Symposium Malien sur les Sciences Appliquées, 2(13), 171-177. https://hal.science/hal-05042911v1/file/22%20MSAS2022_Proceedings_Vol2_Web%20-%20pp%20171%20-%20177.pdf

•[3] المركز الإماراتي للدراسات والبحوث الاستراتيجية.. الأزمة في مالي الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية. https://www.ecssr.ae/ar/research-products/periodic-studies-1/3/204117

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *