رصد المغرب / ذ. الحسين فخر الدين (عضو تيار اليسار الجديد المتجدد)
يثير البلاغ المشترك الصادر عن الحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، وحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، أسئلة سياسية عميقة تتجاوز الشعارات المعلنة إلى طبيعة هذا التقارب وحدوده الفعلية. فالمتأمل في توقيت هذا البيان لا يمكنه إلا أن يتساءل: لماذا الآن بالذات؟ ولماذا لم تتبلور مثل هذه المبادرات الوحدوية في مراحل سابقة، رغم أن الأسباب السياسية والاجتماعية والحقوقية التي يتحدث عنها البلاغ ليست جديدة، بل تشكل واقعا مستمرا منذ سنوات؟
إن الأزمة الاجتماعية، وتراجع القدرة الشرائية، والتضييق على الحريات، ومحاكمات النشطاء، كلها معطيات لم تولد اليوم، بل رافقت المشهد السياسي المغربي منذ زمن طويل. ومع ذلك، ظلت مكونات اليسار تعيش حالة من التشتت التنظيمي والسياسي، حيث انزوى كل تنظيم داخل زاويته الخاصة، منشغلا أحيانا بصراعاته الداخلية، وأحيانا أخرى بتوجيه النقد والاتهامات إلى بقية مكونات اليسار، بدل بناء مشروع وحدوي استراتيجي متماسك.
سؤال التوقيت ودلالاته السياسية
يبدو أن التحالف الحالي لا ينبع بالضرورة من مراجعة فكرية عميقة أو من إعادة بناء استراتيجية يسارية موحدة بقدر ما يعكس نوعا من الإحساس المشترك بالعزلة السياسية والتراجع الجماهيري. فكل طرف من أطراف هذا التقارب يدرك حجم محدودية تأثيره المنفرد في الشارع، خصوصا في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية التي يعرفها المغرب، وتراجع الحضور التنظيمي لليسار وسط الفئات الشعبية والشبابية.
ومن هنا، فإن السؤال المركزي لا يتعلق فقط بمشروعية التنسيق، بل بطبيعته وأفقه: هل نحن أمام مشروع سياسي وحدوي حقيقي قائم على برنامج استراتيجي واضح؟ أم أمام تقارب ظرفي فرضته لحظة سياسية معينة وحسابات مرتبطة بإعادة التموضع واستعادة الحد الأدنى من الحضور السياسي والإعلامي؟
التناقض بين المعلن والمضمر
البيان يقدم لغة سياسية قوية حول “النفس النضالي الموحد” و”العمل الوحدوي”، لكنه لا يوضح الأسس الفكرية والتنظيمية والسياسية لهذا التحالف. فلا توجد إشارات إلى تصور مشترك حول طبيعة الدولة، أو النموذج التنموي، أو آليات التغيير الديمقراطي، أو حتى شكل الوحدة المنشودة بين هذه التنظيمات.
بل إن التجربة السياسية لليسار المغربي خلال العقود الأخيرة تؤكد أن كثيرا من التحالفات كانت تنتهي بسرعة بسبب غياب رؤية استراتيجية عميقة، وهيمنة الحسابات التنظيمية الضيقة، والتنافس حول المواقع والتموقعات السياسية.
لذلك، قد يبدو هذا التحالف أقرب إلى تنسيق مرحلي هش، يمكن أن ينفض في أي لحظة إذا ظهرت اختلافات حول الأولويات أو أساليب العمل أو الحسابات الانتخابية والتنظيمية الخاصة بكل طرف.
اختلاف المعلن عن الممارسة الفعلية
من بين الإشكالات الأساسية التي يثيرها هذا التحالف، وجود مسافة واضحة بين ما هو معلن في البيان المشترك وبين طبيعة التنزيل العملي لدى كل تنظيم على حدة. فالبيان يتحدث بلغة وحدوية قوية، ويؤكد على “النفس النضالي الموحد” و”العمل المشترك”، غير أن الممارسة السياسية والتنظيمية لكل طرف ما تزال محكومة بخلفيات مختلفة، وأساليب متباينة في العمل، بل أحيانا متناقضة في فهم طبيعة المرحلة وأولويات الفعل السياسي.
فلكل تنظيم ثقافته التنظيمية الخاصة، وقراءته المختلفة لطبيعة الدولة، ولموقع النضال الديمقراطي والاجتماعي، وللعلاقة بين السياسي والنقابي والحقوقي. كما أن أشكال التدبير الداخلي، وآليات اتخاذ القرار، ومنهجية العمل الميداني، تختلف بشكل واضح بين هذه المكونات.
لذلك، فإن الإشكال لا يكمن فقط في إصدار بيان مشترك أو تنظيم مبادرات نضالية موحدة، بل في القدرة على تحويل الشعارات الوحدوية إلى ممارسة سياسية متجانسة ومستقرة. وهنا يظهر التناقض بين الخطاب والممارسة، إذ قد نجد أن كل تنظيم يقرأ هذا التحالف من زاويته الخاصة، ويوظفه وفق حساباته التنظيمية والسياسية الذاتية، وليس باعتباره مشروعا وحدويا استراتيجيا طويل النفس.
وحدة ظرفية أم مشروع سياسي متكامل؟
إن التجارب السابقة داخل اليسار المغربي أظهرت أن الكثير من التحالفات كانت تنهار عند أول اختبار عملي، بسبب اختلاف طرق التنزيل الميداني، وتباين المواقف من القضايا السياسية الكبرى، وغياب آليات ديمقراطية واضحة لتدبير الخلافات.
ومن هنا، فإن التخوف المشروع هو أن يتحول هذا التحالف إلى مجرد واجهة سياسية ظرفية مرتبطة بلحظة احتجاجية أو توازنات مرحلية، دون أن ينجح في بناء أرضية فكرية وتنظيمية صلبة تؤسس لاستمرارية العمل المشترك.
فالعمل الوحدوي الحقيقي لا يقاس فقط ببلاغات مشتركة أو مهرجانات نضالية، بل بمدى القدرة على إنتاج رؤية موحدة، وخطاب سياسي منسجم، وممارسة ميدانية متقاربة، وهو ما لا تزال مؤشراته غير واضحة في هذا التحالف الثلاثي.
أزمة اليسار قبل أزمة السلطة
صحيح أن البيان يحمل السلطة مسؤولية التراجع الحقوقي والاجتماعي، غير أن جزءا من الأزمة يرتبط أيضا بعجز مكونات اليسار نفسها عن بناء خطاب سياسي جديد قادر على استيعاب التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي.
فاليسار الذي كان يفترض أن يكون فضاء للوحدة الفكرية والنضالية تحول في كثير من الأحيان إلى جزر تنظيمية متفرقة، تستهلك جزءا كبيرا من طاقتها في الخلافات البينية أكثر مما تستثمره في التأطير المجتمعي وبناء البدائل.
كما أن الرهان على الخطاب الاحتجاجي وحده لم يعد كافيا لإعادة بناء الثقة مع المجتمع، في ظل غياب مبادرات سياسية وتنظيمية قادرة على تجاوز منطق النخب المغلقة والانفتاح الحقيقي على الفئات الشعبية والشبابية.
بين الضرورة التاريخية والواقعية السياسية
لا شك أن وحدة القوى الديمقراطية والتقدمية تظل مطلبا موضوعيا تفرضه طبيعة التحديات الاجتماعية والسياسية الراهنة. غير أن أي مشروع وحدوي لا يمكن أن ينجح إذا ظل محكوما بردود الفعل الظرفية أو الحسابات الخاصة بكل تنظيم.
إن ما يحتاجه اليسار المغربي ليس فقط بيانات مشتركة أو مهرجانات نضالية موسمية، بل مراجعة نقدية شاملة للتجربة، وبناء مشروع مجتمعي واضح، وربط العمل السياسي الحقيقي بقضايا المجتمع اليومية، بعيدا عن منطق التحالفات الهشة التي تولد تحت ضغط اللحظة وقد تختفي بانتهائها.
همس إلى التنظيمات الثلاثة وغيرها.
بعيدا عن لغة البيانات المشتركة، وعن البلاغات الموسمية التي سرعان ما يبتلعها النسيان السياسي، فإن ما تنتظره القواعد اليسارية وعموم الشعب المغربي من هذا التقارب، هو الانتقال من وحدة الخطاب إلى وحدة الفعل، ومن التنسيق الظرفي إلى بناء تحالف استراتيجي ميداني طويل النفس.
إن اللحظة السياسية والاجتماعية لم تعد تحتمل المزيد من التجارب الهشة أو التحالفات المناسبة. فالمغاربة الذين يواجهون الغلاء، والتهميش، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتراجع الثقة في المؤسسات والعمل السياسي، لا ينتظرون فقط بيانات تنديد، بل ينتظرون قوة سياسية ديمقراطية قادرة على تحويل النضال من رد فعل موسمي إلى مشروع مجتمعي متكامل.
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط مع السياسات الاجتماعية والاقتصادية القائمة، بل أيضا مع الفساد والاستبداد وكل أشكال التحكم التي أضعفت السياسة وأفقدت قطاعات واسعة من المجتمع الثقة في الفاعلين السياسيين. ولذلك، فإن أي تحالف لا يجعل من الدفاع الميداني المستمر عن الحقوق والحريات الأساسية، وعن الكرامة والعدالة الاجتماعية، جوهر وجوده، سيظل مجرد عنوان سياسي عابر.
لقد تعب الشارع المغربي من الانقسامات الصغيرة، ومن الحسابات التنظيمية الضيقة، ومن الصراعات الجانبية التي استنزفت قوى اليسار لعقود. وما يحتاجه اليوم هو جبهة ديمقراطية حقيقية، قريبة من نبض المجتمع، حاضرة وسط الناس، تدافع عن قضاياهم اليومية، وتعيد الاعتبار للفعل السياسي النبيل.
فإذا كانت التنظيمات الثلاثة تدرك فعلا خطورة المرحلة، فإن المطلوب منها هو بناء الثقة فيما بينها أولا، ثم بناء الثقة مع المجتمع، عبر ممارسة وحدوية يومية، لا تقتصر على المناسبات والرمزيات، بل تتجسد في الميدان، وفي المعارك الاجتماعية والحقوقية، وفي تقديم نموذج سياسي ديمقراطي مختلف.
فالتاريخ لا يتذكر البيانات كثيرا، لكنه يتذكر القوى التي امتلكت الشجاعة لتجاوز خلافاتها الصغيرة والانحياز فعليا لقضايا المواطنات والمواطنين.
بنسليمان، 23 ماي 2026
شارك المقال























Leave a Reply