حين تصبح الحرية تفاوضا

رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح 

مأزق وجودي وسياسي عاشته أغلب تجارب الاعتقال السياسي في العالم العربي. فمع مرور الزمن يتحول السجن من فضاء للصدام مع الدولة إلى فضاء لإعادة التفاوض معها. يصبح مطلب الحرية مقدما على مشروع التغيير نفسه، ويتحول النضال من محاولة قلب المعادلة إلى محاولة تحسين شروط العيش داخلها. هنا يبدأ التوتر الداخلي عند كثير من المعتقلين هل المطالبة بالعفو اعتراف ضمني بشرعية ما حدث؟ وهل القبول بالتعويض أو الإدماج يعني نهاية القضية وتحويلها إلى ملف اجتماعي بدل أن تبقى قضية سياسية وأخلاقية؟

المشكلة أن الدولة الحديثة أصبحت الفاعل المركزي الوحيد القادر على منح الحرية أو سحبها، منح الإدماج أو الإقصاء، فتح المجال أو إغلاقه. لذلك حتى أكثر المعارضين راديكالية يجدون أنفسهم في النهاية مضطرين للعودة إليها، لا لأنهم اقتنعوا بها بالضرورة، بل لأن المجال السياسي والمجتمعي لا يملك قوة مستقلة قادرة على فرض حل اخر. وهنا ينشأ الإحساس المرير بأن كل سنوات المواجهة انتهت إلى طلب تسوية من الخصم نفسه.

الحقوقيون عادة يدفعون نحو الواقعية الإفراج، جبر الضرر، المصالحة، الإدماج، لأنهم ينظرون إلى الإنسان الملموس ومعاناته اليومية. أما السياسيون أو بعض المناضلين فينظرون إلى المسألة باعتبارها قضية مبدأ وذاكرة وصراع شرعية، ويرون أن تحويل المعتقل السياسي إلى مجرد (ضحية)تحتاج التعويض قد يطمس المعنى السياسي لاعتقاله. وبين المنطقين يبقى المعتقل نفسه ممزقا بين حاجته إلى الحرية ورفضه أن يشعر بأنه هزم أخلاقيا

أما الطريق الثالث ، فهو غالبا لا يكون قانونيا خالصا ولا ثوريا خالصا، بل يقوم على فكرة الاستقلال الرمزي والمعنوي عن الدولة حتى أثناء التفاوض معها. أي أن يتحول الإفراج أو الإدماج من منحة سياسية إلى نتيجة لميزان أخلاقي ومجتمعي تفرضه الذاكرة والتنظيم والتضامن المدني. بمعنى آخر: ألا يسمح المعتقل أو الحركة بأن تختزل القضية في العفو، بل أن تبقى الرواية حية، ويبقى النقاش حول الحرية والسلطة والعدالة قائماً حتى بعد الخروج من السجن.وان لايقتصر الحديث ويختزل في الخروج الذي غالبا ياتي عن طريق العفو.

هذا الطريق الثالث لا يرفض الإفراج ولا يقاطع المطالبة بالحقوق، لكنه يرفض أن تكون نهاية النضال هي الذوبان الكامل داخل منطق الدولة. وهو ما حاولت بعض التجارب العالمية فعله عبر بناء مساحات مستقلة: جمعيات للذاكرة، أدب السجون، شهادات المعتقلين، التنظيمات المدنية، الصحافة المستقلة، أو تحويل تجربة الاعتقال نفسها إلى رأسمال أخلاقي وفكري بدل أن تنتهي بمجرد التسوية الإدارية.

لكن يجب الاعتراف أيضا أن هذا الطريق صعب جدا، لأن الدولة الحديثة لا تكتفي بالسيطرة الأمنية بل تسعى إلى احتواء الخصوم وإعادة دمجهم داخل شروطها الخاصة. ولهذا يشعر كثير من المعتقلين السابقين بأنهم أمام خيارين كلاهما مؤلم: إما الاستمرار في الوقفات رغم تقلبات المشروع الجهادي وتنوع افراده في سوق الاعتقال الشىء الذي يزيد من العزلة واستنزاف، أو القبول بالتسوية مع ما تحمله من شعور داخلي بالانكسار أو التنازل.

وربما السؤال الحقيقي ليس كيف ننتصر بل كيف نحافظ على المعنى الأخلاقي للنضال دون أن نسحق بالكامل؟ لأن كثيرا من التجارب انتهت إلى اكتشاف أن النجاة الإنسانية نفسها قد تصبح شكلا من أشكال المقاومة، وأن الحفاظ على الكرامة والذاكرة وعدم تزوير الماضي قد يكون أحيانا أهم من الانتصار السياسي المباشر.

السلطة لا تنتصر فقط بالسجن، بل تنتصر حين تجعل الضحية عاجزة عن الكلام، أو فاقدة للثقة في معنى ما عاشه. الإنهاك النفسي ليس تفصيلا جانبيا في تجربة الاعتقال، بل هو جزء من بنية العقاب نفسها. فالسجن الطويل، العزلة، الإحباط، الشعور بأن الخارج تغير، وأن الناس نسيت، كلها تجعل المعتقل يخرج أحيانا وهو يريد فقط أن يعيش بصمت. لذلك ففكرة أن كل معتقل سيخرج لكتابة مذكراته أو قيادة معركة الذاكرة ليست واقعية دائما.

لكن الرواية التاريخية لا تبنى فقط عبر الأبطال الأقوياء. أحيانا تبنى من الشظايا: شهادة قصيرة، رسالة قديمة، حديث متردد، يوميات غير مكتملة، أو حتى الصمت نفسه باعتباره أثرا من اثار القمع. المشكلة في عالمنا أن الذاكرة تحمل للمعتقل الفرد وحده، بينما يفترض أن تكون مسؤولية جماعية الباحث، الكاتب، الصحفي، العائلة، الصديق، المجتمع المدني، وكل من بقي خارج السجن.

ولهذا فإن سؤال (كيف ننتصر؟) ربما يحتاج إلى إعادة تعريف. إذا كان الانتصار يعني تحقيق العدالة الكاملة فورا، فالتاريخ يقول إن هذا نادر جدا. أما إذا كان يعني منع محو الحقيقة بالكامل، فهنا يصبح ممكنا حتى في ظل الإنهاك. السلطة تراهن على النسيان، وعلى أن يتحول المعتقل السابق إلى إنسان يريد فقط الهروب من ماضيه. بينما المقاومة الحقيقية للذاكرة تبدأ حين لايترك وحيدا مع عبء الحكاية.

هناك أيضا جانب مؤلم يجب الاعتراف به: بعض المعتقلين يخرجون وهم غير قادرين حتى على فهم ما حدث لهم. ليس لأنهم جبناء أو متخاذلون، بل لأن التجربة كسرت البنية النفسية الداخلية. ولهذا فإن مطالبة المعتقل دائما بأن يبقى رمزا صلبا قد تكون ظلما إضافيا. الإنسان ليس فكرة مجردة، بل كائن يتعب ويخاف وينهار أحيانا.

ومع ذلك، التاريخ يبين أن كثيرا من الروايات الكبرى لم تكتب مباشرة بعد السجن، بل بعد سنوات طويلة من الصمت. أحيانا يحتاج الإنسان زمنا ليستعيد لغته الداخلية. لذلك لا ينبغي الخلط بين الصمت الحالي والهزيمة النهائية. فحتى المجتمعات التي بدت فيها السلطة منتصرة بالكامل، عادت فيها الذاكرة لاحقا بطرق غير متوقعة: عبر الأدب، الفن، شهادات متأخرة، أو أجيال جديدة أعادت طرح الأسئلة القديمة.

الطريق الثالث هنا قد يكون في نقل المعركة من بطولة الفرد إلى بناء الذاكرة الجماعية. أي ألا يطلب من كل معتقل أن يتحول إلى قائد أو مؤرخ، بل يكفي أن يبقى الأثر حيا بطريقة ما. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس تعب المعتقل، بل اقتناع المجتمع أن ما جرى لم يكن مهما أصلا.

 

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *