التحولات الجيوسياسية في منطقة الساحل، مستقبل مالي والنيجر في ظل صعود الجماعات المسلحة (2026-2030)

رصد المغرب / عبدالفتاح الحيداوي


تشهد منطقة الساحل الأفريقي، وتحديدا دولتي مالي والنيجر، تحولات أمنية وسياسية عميقة أعادت رسم خارطة النفوذ في غرب أفريقيا. منذ عام 2024، تصاعدت وتيرة العمليات العسكرية التي تقودها (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) (JNIM)، وهي الفرع الإقليمي لتنظيم القاعدة، بالتنسيق مع حركات انفصالية مثل (جبهة تحرير أزواد) (FLA). تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الأثر الأمني والاقتصادي لهذه التحولات، واستشراف مستقبل المنطقة من خلال مقارنتها بنماذج تاريخية مثل أفغانستان وسوريا. يركز التحليل على التداعيات المالية والاقتصادية في مالي والنيجر، مع تقييم دقيق لمستقبل منطقة الساحل في ظل هذه التحديات المتزايدة.

تحليل العمليات العسكرية الأخيرة وأثرها الأمني

تشير العمليات العسكرية التي شهدتها مالي خلال سنة 2026 إلى دخول الصراع في الساحل مرحلة جديدة تتجاوز منطق التمرد المحلي نحو نمط من الحرب المركبة القادرة على تهديد مراكز السلطة السياسية والعسكرية للدولة. فقد مثلت الهجمات المنسقة التي نفذتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) بالتنسيق مع جبهة تحرير أزواد (FLA) تحولا نوعيا في طبيعة المواجهة، ليس فقط بسبب اتساع رقعتها الجغرافية التي امتدت من كيدال شمالا إلى تخوم العاصمة باماكو جنوبا، وإنما أيضا بسبب ما أظهرته من قدرة عالية على التخطيط والتنسيق والاختراق الأمني. ويكشف هذا التطور أن الجماعات المسلحة لم تعد مجرد فاعل متمرد يسيطر على مناطق هامشية، بل أصبحت قادرة على فرض معادلات استراتيجية جديدة تهدد تماسك الدولة المالية نفسها.

وقد شكل سقوط مدينة كيدال مجددا مؤشرا بالغ الدلالة على التحولات الجارية في ميزان القوى. فهذه المدينة لا تمثل مجرد مركز حضري في أقصى الشمال، بل تعد رمزا سياسيا وعسكريا للصراع الأزوادي منذ اندلاع التمردات المتعاقبة. ومن ثم فإن فقدان السيطرة عليها يعكس تراجع قدرة الدولة على فرض سيادتها على المجال الترابي الوطني، ويمنح الفاعلين المسلحين قاعدة استراتيجية تسمح لهم بتوسيع نفوذهم نحو مناطق أخرى. كما يعزز هذا التطور من مكانة جبهة تحرير أزواد باعتبارها شريكا ميدانيا أساسيً في مواجهة السلطة المركزية، الأمر الذي يكرس واقعا جديدا يقوم على تقاطع المصالح بين الفاعل الانفصالي والفاعل الجهادي رغم اختلاف المرجعيات والأهداف النهائية لكل منهما.

أما مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا فقد شكل ضربة رمزية واستراتيجية في آن واحد. فالحدث لا يقتصر على خسارة شخصية عسكرية نافذة داخل النظام الحاكم، بل يعكس قدرة الخصوم على الوصول إلى دوائر القرار العليا وإحداث أثر نفسي ومعنوي عميق داخل المؤسسة العسكرية. وفي حروب التمرد طويلة الأمد غالبا ما يكون التأثير النفسي أكثر خطورة من الخسائر المادية، لأن استهداف الرموز القيادية يبعث رسائل مباشرة إلى القوات الحكومية وإلى الرأي العام مفادها أن الدولة عاجزة عن حماية نخبتها الأمنية، وهو ما قد يؤدي إلى تاكل الثقة في مؤسساتها وإضعاف معنويات قواتها المنتشرة في الجبهات.

وتتضاعف خطورة هذه التطورات في ظل استمرار الحصار الاقتصادي غير المباشر المفروض على باماكو منذ أواخر سنة 2025. فسيطرة الجماعات المسلحة على عدد من المحاور والطرق الاستراتيجية أدت إلى تعطيل حركة التجارة والإمدادات، وأثرت بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي وعلى قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية. ويكتسي هذا البعد أهمية خاصة لأن الحركات الجهادية المعاصرة أصبحت تدرك أن استنزاف الدولة اقتصاديا قد يكون أكثر فعالية من المواجهة العسكرية المباشرة. فكلما ارتفعت تكاليف الحرب وتراجعت الموارد العامة ازدادت قدرة الجماعات المسلحة على استغلال حالة السخط الاجتماعي وتقديم نفسها كبديل محلي قادر على توفير الأمن وتسوية النزاعات.

وتكشف هذه المعطيات عن محدودية المقاربة الأمنية التي تبنتها السلطات المالية بعد انسحاب القوات الفرنسية وبعثة الأمم المتحدة متعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (MINUSMA). فقد راهنت باماكو على الشراكة العسكرية مع الفيلق الأفريقي الروسي، الذي حل محل مجموعة فاغنر بعد إعادة هيكلتها، باعتباره أداة قادرة على حسم الصراع عسكريا واستعادة السيطرة على المناطق الخارجة عن نفوذ الدولة. غير أن النتائج الميدانية أظهرت أن هذا الرهان لم يحقق أهدافه الاستراتيجية. فبالرغم من بعض النجاحات التكتيكية المحدودة، استمرت الجماعات المسلحة في التوسع، واستطاعت التكيف مع الضغوط العسكرية عبر إعادة الانتشار وتغيير أساليب القتال وتوسيع شبكاتها المحلية.

ويفسر ذلك بأن المقاربة العسكرية الصرفة غالبا ما تعالج أعراض الأزمة دون جذورها البنيوية. فالصراع في مالي لا يرتبط فقط بوجود جماعات جهادية مسلحة، بل يتغذى أيضا من هشاشة مؤسسات الدولة، وضعف التنمية في المناطق الطرفية، والتوترات الإثنية، وتراجع الثقة بين السكان المحليين والسلطة المركزية. وفي مثل هذه البيئات تستطيع الحركات المسلحة توظيف المظالم المحلية لتعزيز شرعيتها الاجتماعية. ولذلك نجحت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في بناء نفوذ متزايد داخل بعض المناطق الريفية عبر تقديم خدمات بديلة للدولة، وإدارة النزاعات المحلية، وتأمين بعض الأنشطة الاقتصادية، وهو ما وفر لها حواضن اجتماعية يصعب تفكيكها بالقوة العسكرية وحدها.

وعلى المستوى الاستشرافي، توحي المؤشرات الحالية بأن مالي تتجه نحو مرحلة من عدم الاستقرار المزمن قد تشبه إلى حد بعيد التجربة الأفغانية في بعض أبعادها، حيث تفشل الدولة في القضاء على التمرد رغم امتلاكها تفوقا عسكريا وتقنيا. ومن المرجح أن تستمر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في تعزيز حضورها داخل الوسط والجنوب المالي، مع توسيع نطاق عملياتها نحو دول الساحل المجاورة. كما أن استمرار التعاون الميداني بين الفاعلين الجهاديين والحركات الأزوادية قد يؤدي إلى خلق واقع أمني جديد يفرض على السلطات المالية إعادة النظر في استراتيجيتها الحالية والانتقال من منطق الحسم العسكري إلى مقاربة أكثر شمولا تجمع بين الأمن والتنمية والحوار السياسي.

إن التطورات الأخيرة لا تعني بالضرورة قرب انهيار الدولة المالية، لكنها تكشف بوضوح أن ميزان القوى يشهد تحولات متسارعة لصالح الفاعلين المسلحين، وأن الأزمة دخلت مرحلة تتجاوز مجرد مواجهة أمنية إلى صراع على الشرعية والسيادة والقدرة على إدارة المجال المحلي. ولذلك فإن مستقبل الاستقرار في مالي والساحل سيظل رهينا بقدرة الدولة على استعادة ثقة السكان المحليين بقدر ما هو مرتبط بقدرتها على تحقيق مكاسب عسكرية في الميدان.

التداعيات المالية والاقتصادية في مالي والنيجر

يمكن القول إن البعد المالي والاقتصادي أصبح أحد المحددات الرئيسية لمستقبل الصراع في منطقة الساحل، ولا سيما في مالي والنيجر، حيث لم تعد الأزمة الأمنية مجرد مواجهة عسكرية بين الدولة والجماعات المسلحة، بل تحولت إلى صراع على الموارد الاقتصادية ومسارات التجارة ومصادر التمويل. فاستمرار تدهور الوضع الأمني ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولتين على الحفاظ على استقرار اقتصادي يسمح لهما بتمويل مؤسسات الدولة وتقديم الخدمات الأساسية للسكان.

في مالي، أدت الهجمات المتكررة على الطرق الاستراتيجية ومحاور النقل الرئيسية إلى إضعاف حركة التجارة الداخلية والخارجية، خاصة أن البلاد دولة حبيسة تعتمد بشكل كبير على الموانئ والدول المجاورة لتأمين وارداتها من الوقود والمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية. ومع تصاعد العمليات العسكرية التي استهدفت خطوط الإمداد وممرات النقل، شهدت الأسواق المالية ارتفاعاً حاداً في أسعار الطاقة والمواد الأساسية، ما تسبب في موجة تضخمية أثقلت كاهل السكان وأضعفت القدرة الشرائية للأسر. كما انعكس ذلك على النشاط الإنتاجي والتجاري، حيث ارتفعت تكاليف النقل والإنتاج، وتراجعت قدرة الشركات المحلية على الاستمرار في العمل ضمن بيئة تتسم بانعدام الأمن وارتفاع المخاطر.

ويكتسب هذا الوضع خطورة أكبر بالنظر إلى أن الاقتصاد المالي يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات الذهب والقطن. فالذهب يمثل المصدر الأول للعملة الصعبة وعصب الاقتصاد الوطني، إلا أن جزءا مهما من مناطق التعدين أصبح يقع ضمن فضاءات أمنية هشة أو مناطق نفوذ تتنافس عليها الجماعات المسلحة. ويؤدي هذا الوضع إلى تنامي عمليات التهريب وفقدان الدولة لجزء من العائدات الضريبية والجمركية، فضلا عن تراجع ثقة المستثمرين الدوليين الذين ينظرون إلى الاستقرار الأمني باعتباره شرطا أساسيا لاستمرار استثماراتهم.

أما في النيجر، فإن التحديات الاقتصادية تبدو أكثر تعقيدا بسبب التداخل بين الأزمة الأمنية والتحولات الجيوسياسية التي أعقبت الانقلابات العسكرية وتراجع العلاقات مع الشركاء الغربيين التقليديين. فقد أدى تقليص المساعدات الدولية وانسحاب جزء مهم من الدعم العسكري والمالي الغربي إلى خلق فجوة تمويلية كبيرة بالنسبة للدولة النيجرية التي كانت تعتمد بدرجة معتبرة على المساعدات الخارجية لتمويل برامج التنمية والأمن. وفي محاولة لتعويض هذا النقص، اتجهت السلطات إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية والاستراتيجية عبر تعزيز التعاون مع روسيا والصين ودول أخرى مهتمة بقطاعي اليورانيوم والنفط.

غير أن هذه الخيارات تواجه بدورها تحديات كبيرة، إذ إن نجاح الاستثمارات الأجنبية مرتبط بتوفير بيئة أمنية مستقرة تسمح باستغلال الموارد الطبيعية ونقلها إلى الأسواق الدولية. وتزداد المخاوف مع توسع نشاط الجماعات المسلحة نحو المناطق الحدودية الجنوبية القريبة من ممرات التجارة ومشاريع البنية التحتية الاستراتيجية، بما في ذلك الطرق المرتبطة بتصدير النفط واليورانيوم. فكل تهديد لهذه المنشات أو للممرات اللوجستية ينعكس مباشرة على الإيرادات الحكومية وعلى ثقة المستثمرين، ويؤخر تنفيذ المشاريع التنموية التي تعول عليها الدولة لتحقيق النمو الاقتصادي.

وفي ظل هذا المشهد، برز ما يمكن تسميته بـ(الاقتصاد المسلح) أو (الاقتصاد الموازي للنزاع)، حيث استطاعت الجماعات المسلحة بناء منظومات تمويل خاصة بها تقلل من اعتمادها على التمويل الخارجي التقليدي. فقد توسعت هذه الجماعات في فرض الإتاوات والضرائب القسرية على السكان والتجار والرعاة، كما فرضت رسوما على استخدام الطرق والمسالك التي تقع ضمن مناطق نفوذها. وإلى جانب ذلك، أصبحت تستفيد من شبكات التهريب العابرة للحدود ومن السيطرة غير المباشرة على بعض مواقع التعدين التقليدي، خاصة مناجم الذهب الحرفية التي يصعب على الدولة مراقبتها بصورة كاملة.

وتكمن خطورة هذا الاقتصاد الموازي في أنه لا يوفر فقط موردا ماليا للجماعات المسلحة، بل يمنحها أيضا نوعا من الشرعية المحلية في بعض المناطق التي تعاني من ضعف حضور الدولة. فحين تتمكن الجماعات من إدارة الأسواق أو حماية القوافل أو تنظيم النشاط الاقتصادي المحلي، فإنها تخلق شبكات مصالح اقتصادية واجتماعية تجعل القضاء عليها أكثر تعقيدا من مجرد تحقيق انتصار عسكري. وبمرور الوقت، يتحول الاقتصاد غير الرسمي إلى بنية موازية تنافس الدولة في وظائفها الأساسية وتستقطب قطاعات من السكان الباحثين عن الأمن أو فرص العيش.

ومن ثم، فإن مستقبل مالي والنيجر لن يتحدد فقط بنتائج العمليات العسكرية أو حجم الدعم الخارجي، بل بقدرة الدولتين على استعادة السيطرة على الموارد الاستراتيجية وتأمين الممرات التجارية وإعادة دمج المناطق الهامشية في الدورة الاقتصادية الوطنية. فكلما استمرت الجماعات المسلحة في التحكم بجزء من الاقتصاد المحلي، ازدادت قدرتها على الصمود والتوسع، بينما تتاكل موارد الدولة وتضعف قدرتها على الاستثمار في الأمن والتنمية. لذلك يبدو أن المعركة الحقيقية في الساحل لم تعد تدور حول السيطرة على الأرض فحسب، بل حول السيطرة على الاقتصاد ومصادر الثروة، لأن الطرف الذي ينجح في احتكار الموارد والتمويل سيكون الأقدر على فرض نفوذه السياسي والعسكري في المدى المتوسط والبعيد.

تحليل مقارن: هل الساحل هو أفغانستان القادمة؟

إن المقارنة بين منطقة الساحل وأفغانستان تفرض نفسها بقوة في الأوساط الأكاديمية والأمنية، خاصة بعد التقدم العسكري الذي حققته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين خلال السنوات الأخيرة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. غير أن القراءة المتأنية لطبيعة الصراع تكشف أن استنساخ النموذج الأفغاني في الساحل يبقى أمرا مستبعدا، ليس بسبب ضعف الجماعات الجهادية، بل بسبب اختلاف البنية الاجتماعية والسياسية والجغرافية التي تتحرك داخلها. فالساحل لا يتجه نحو(أفغنة) كاملة بقدر ما يتجه نحو نمط أقرب إلى (الصوملة)،وهي الحالة الصومالية التي عرفها الصومال منذ انهيار نظام محمد سياد بري سنة 1991حيث تتعايش دولة رسمية ضعيفة مع سلطات موازية تفرض نفوذها على مساحات واسعة من الأرياف والمناطق الطرفية.

لقد استفادت طالبان من مجموعة من العوامل التي يصعب تكرارها في الساحل. فالحركة اعتمدت على قاعدة اجتماعية إثنية متماسكة نسبياً داخل المجتمع البشتوني، كما استفادت من وجود ملاذات خلفية آمنة ودعم لوجستي وسياسي مستمر عبر الحدود. أما في الساحل، فإن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تعمل داخل فضاء إثني شديد التعدد والتنافس، يضم الطوارق والفلان والعرب والسونغاي ومجموعات أخرى تتباين مصالحها وتحالفاتها. صحيح أن الجماعة نجحت في اختراق العديد من هذه البيئات المحلية، لكنها لم تتمكن من بناء حاضنة اجتماعية موحدة تماثل تلك التي وفرتها القبائل البشتونية لطالبان. لذلك فإن نفوذها يعتمد بدرجة كبيرة على التحالفات البراغماتية المؤقتة أكثر من اعتماده على ولاء اجتماعي راسخ.

كما أن الجغرافيا تفرض فروقا جوهرية بين الحالتين. فقد شكلت الجبال الوعرة في أفغانستان عمقا استراتيجيا لطالبان ومجالا مثاليا لحرب الاستنزاف طويلة الأمد. أما في الساحل، فإن الطبيعة الصحراوية وشبه الصحراوية تمنح الجماعات المسلحة حرية الحركة والانتشار، لكنها في الوقت نفسه تجعل الاحتفاظ الدائم بالأراضي أكثر صعوبة. ولذلك تفضل جماعات الساحل استراتيجية (السيطرة المرنة) القائمة على فرض النفوذ الأمني والاقتصادي دون تحمل أعباء الإدارة المباشرة. فالجماعة لا تسعى غالبا إلى احتلال المدن الكبرى وإدارتها، بل إلى عزلها واستنزافها وفرض شروطها على محيطها الريفي.

ومن هنا تظهر إحدى أهم الفروق بين طالبان و JNIM. فطالبان كانت تحمل مشروعا سياسيا واضحا يتمثل في الاستيلاء على الدولة الأفغانية وإعادة بناء إمارة مركزية. أما جماعة نصرة الإسلام والمسلمين فتتبنى مقاربة أكثر لا مركزية، مستمدة جزئيا من تراث تنظيم القاعدة القائم على الاندماج داخل المجتمعات المحلية وإدارة التحالفات القبلية. وقد أشار الباحث الفرنسي Jean-Hervé Jézéquel إلى أن الجماعات الجهادية في الساحل تطورت من حركات تمرد عقائدية إلى فاعلين محليين قادرين على التفاوض وإدارة النزاعات وتقديم أشكال بديلة من الحكامة في المناطق الهشة. ولذلك فإن مشروعها الحالي يبدو أقرب إلى بناء شبكات نفوذ واسعة منه إلى إقامة دولة مركزية على غرار إمارة طالبان.

ولا يعني ذلك أن الخطر محدود. فالتطورات الأخيرة تشير إلى انتقال الجماعات المسلحة من مرحلة البقاء إلى مرحلة المبادرة الاستراتيجية. فقد أصبحت قادرة على تنفيذ هجمات متزامنة على مسافات شاسعة، واستهداف منشات عسكرية ومدن استراتيجية، وقطع خطوط الإمداد والتجارة. كما أن الانسحاب الفرنسي وتراجع الحضور الغربي لم يؤديا إلى استعادة الدول لسيادتها، بل كشفا هشاشة المؤسسات الأمنية المحلية. وفي المقابل، لم ينجح الدعم الروسي في إحداث تحول جذري في موازين القوى، بل ساهم أحيانا في زيادة الاحتقان المحلي نتيجة الاتهامات المتكررة بوقوع انتهاكات ضد المدنيين.

ويذهب عدد من الباحثين الفرنسيين، مثل Marc-Antoine Pérouse de Montclos وYvan Guichaoua، إلى أن الأزمة في الساحل لا يمكن تفسيرها حصرا بمنظور مكافحة الإرهاب، لأن الجماعات المسلحة تستفيد أساسا من أزمات الحكم والفساد وضعف الخدمات العامة والصراعات المحلية على الموارد. فكلما تراجعت قدرة الدولة على توفير الأمن والعدالة، ازدادت قدرة الجماعات على تقديم نفسها كبديل محلي، حتى لو كان هذا البديل قائما على الإكراه والعنف.

ومن هذا المنطلق، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا خلال السنوات المقبلة ليس سقوط باماكو أو نيامي أو واغادوغو بالطريقة التي سقطت بها كابول سنة 2021، بل استمرار عملية تآكل تدريجية لسلطة الدولة. فقد تحتفظ الحكومات بالسيطرة على العواصم والمدن الكبرى والممرات الاقتصادية الرئيسية، بينما تواصل الجماعات المسلحة توسيع نفوذها في المناطق الريفية والأطراف الحدودية. وهذا النمط يشبه إلى حد بعيد الحالة الصومالية، حيث تحتفظ الدولة باعتراف دولي وسيطرة اسمية على المراكز الحضرية، في حين تمارس الحركات المسلحة نفوذا فعليا على أجزاء واسعة من المجال الترابي.

ومع ذلك، فإن استبعاد سيناريو (طالبان الساحل)لا يعني استحالته على المدى البعيد. فإذا استمرت الانقلابات العسكرية، وتفاقمت الأزمات الاقتصادية، وتراجعت شرعية الأنظمة الحاكمة، واستمرت الجماعات الجهادية في تحسين قدراتها التنظيمية وبناء تحالفات عابرة للإثنيات، فقد تنتقل من استراتيجية النفوذ المحلي إلى مشروع أكثر طموحا. غير أن هذا التحول سيظل رهينا بتجاوز عقبات بنيوية عميقة، أهمها الانقسامات الإثنية، وغياب دولة راعية إقليمية، واتساع المجال الجغرافي، وتعدد الفاعلين المسلحين المتنافسين.

لذلك يمكن القول إن السؤال الصحيح ليس ما إذا كان الساحل سيصبح أفغانستان جديدة، بل ما إذا كان سيتحول إلى فضاء مزمن للهشاشة الأمنية يشبه الصومال أكثر مما يشبه أفغانستان. فالمؤشرات الحالية توحي بأن المنطقة تتجه نحو إعادة تشكيل السلطة بين الدولة والجماعات المسلحة ضمن حالة من التوازن غير المستقر، حيث لا تستطيع الحكومات القضاء على التمرد، ولا تستطيع الجماعات الجهادية الاستيلاء الكامل على الدولة. وهذا الوضع قد يجعل الساحل خلال العقد القادم أحد أكثر الأقاليم اضطرابا في العالم، ومختبرا لنمط جديد من الحروب طويلة الأمد التي تتآكل فيها الدولة تدريجيا دون أن تنهار بشكل كامل.

استشراف مستقبل منطقة الساحل (2026-2030)

بناءً على التحليلات السابقة، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل منطقة الساحل:

السيناريو الأول: الاستنزاف الطويل (الأرجح):

يستمر الوضع الراهن حيث لا تمتلك الدول القدرة على الحسم العسكري الشامل ضد الجماعات المسلحة، ولا تمتلك هذه الجماعات القدرة على إدارة المدن الكبرى بشكل مستدام. تتوسع نفوذ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) والجماعات الجهادية الأخرى في الأرياف والمناطق الحدودية، بينما تحافظ الدول على سيطرتها الاسمية على المدن الرئيسية والمراكز الحضرية. تتسم هذه الفترة بحالة من الفوضى المستمرة، والسيطرة المجزأة، وتدهور الخدمات الأساسية، وتزايد النزوح الداخلي.

تتمثل المحركات الرئيسية لهذا السيناريو في ضعف القدرات العسكرية للدول، والذي يتجلى في عدم كفاية التدريب والتجهيز والتمويل للقوات المسلحة الوطنية لمواجهة التهديدات المتزايدة . في المقابل، تظهر قدرة الجماعات المسلحة على التكيف من خلال استخدام تكتيكات حرب العصابات، وتجنيد الأفراد من المجتمعات المحلية المستاءة، واستغلال النزاعات العرقية والقبلية . يضاف إلى ذلك غياب حلول سياسية شاملة، حيث لا توجد إرادة سياسية حقيقية أو آليات فعالة لمعالجة الأسباب الجذرية للصراع، مثل الفقر والتهميش وسوء الحكامة. كما يساهم تراجع الدعم الدولي الفعال، المتمثل في انسحاب القوات الأجنبية أو تقليص مهامها دون وجود بديل محلي قوي وفعال، في تفاقم الوضع. وأخيرًا، تؤدي الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك تفاقم الفقر وانعدام الأمن الغذائي والبطالة، إلى دفع الشباب للانضمام إلى الجماعات المسلحة.

تشمل المؤشرات الدالة على هذا المسار استمرار الهجمات المتفرقة على المدن والقوافل العسكرية، وتزايد عدد النازحين داخلياً واللاجئين في المنطقة . كما يتضح هذا السيناريو من خلال فشل الحكومات في استعادة السيطرة الكاملة على المناطق الريفية، واستمرار تدهور الخدمات الأساسية (الصحة، التعليم) خارج المدن الكبرى. بالإضافة إلى ذلك، يشير تزايد الانقلابات العسكرية أو محاولاتها في دول الساحل إلى ترسيخ هذا المسار.

يشبه هذا السيناريو نموذج الصومال، حيث تستمر حالة من الفوضى والسيطرة المجزأة لفترة طويلة، مع وجود حكومة مركزية ضعيفة تسيطر على العاصمة وبعض المدن، بينما تسيطر الجماعات المسلحة على مناطق واسعة من الريف.

السيناريو الثاني: التسوية السياسية الجزئية:

يقوم هذا السيناريو على فرضية وصول الأطراف المتصارعة إلى قناعة متبادلة باستحالة الحسم العسكري. فبعد سنوات من النزيف البشري والاقتصادي، قد تجد الحكومات العسكرية نفسها مضطرة للبحث عن حلول سياسية، خاصة إذا استمرت الضغوط الاقتصادية وتفاقمت الأزمات الاجتماعية.

في هذا الإطار، يمكن أن تظهر مبادرات للحوار مع بعض الفصائل الطوارقية أو الحركات المحلية التي لا تتبنى مشروعا جهاديا عالميا، بل تركز على مطالب تتعلق بالحكم الذاتي أو التمثيل السياسي والتنمية الاقتصادية. وقد يسمح ذلك بإعادة دمج بعض الفاعلين المسلحين ضمن ترتيبات سياسية جديدة تمنح الشمال هامشاً أوسع من الإدارة الذاتية.

ويستند هذا الاحتمال إلى أن جزءا مهما من الصراع في الساحل ليس صراعا أيديولوجيا خالصا، بل يرتبط بقضايا تاريخية تتعلق بالتهميش السياسي والاقتصادي والعرقي. ولذلك فإن معالجة هذه المظالم قد تسهم في تقليص القاعدة الاجتماعية التي تستفيد منها الجماعات المسلحة.

غير أن نجاح هذا السيناريو يواجه عدة تحديات. فالجماعات الجهادية المرتبطة بالقاعدة قد ترفض أي تسوية لا تضمن لها دورا سياسيا مباشرا، كما أن الانقسامات داخل المعسكر الحكومي نفسه قد تعرقل أي عملية تفاوضية. إضافة إلى ذلك، فإن بعض القوى الإقليمية والدولية قد تنظر بعين الريبة إلى أي اتفاق يمنح الجماعات المسلحة شرعية سياسية.

ومع ذلك، فإن هذا السيناريو قد يصبح أكثر جاذبية إذا وصلت الأطراف إلى مرحلة إنهاك متبادل تجعل التسوية أقل تكلفة من استمرار الحرب.

السيناريو الثالث الانهيار الأمني الواسع:

 يمثل هذا السيناريو الاحتمال الأكثر خطورة، وإن كان أقل ترجيحا من سيناريو الاستنزاف. ويقوم على فرضية نجاح الجماعات المسلحة في استثمار حالة الضعف التي تعاني منها الجيوش الوطنية لتوسيع نطاق عملياتها بشكل غير مسبوق.

وقد أظهرت الهجمات المنسقة التي شهدتها مالي خلال سنة 2026 قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ عمليات واسعة النطاق تستهدف قواعد عسكرية ومراكز حضرية في وقت واحد. وإذا استمرت هذه الدينامية، فقد يؤدي ذلك إلى انهيار تدريجي لبعض المناطق الاستراتيجية وخروجها من سيطرة الدولة.

ويزداد خطر هذا السيناريو في حال استمرار التقارب العملياتي بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وبعض الفصائل الأزوادية المسلحة. فمثل هذا التعاون يخلق مزيجا خطيرا يجمع بين الخبرة العسكرية المحلية والقدرات التعبوية للجماعات الجهادية. كما أن اتساع رقعة الصراع قد يؤدي إلى استنزاف القوات الحكومية وإضعاف قدرتها على حماية المدن الكبرى.

ومع ذلك، فإن الحديث عن تكرار تجربة طالبان في أفغانستان يظل محل تحفظ. فالسياق الساحلي يختلف جذريا عن السياق الأفغاني من حيث البنية الاجتماعية والتكوين الإثني وطبيعة الحدود والتدخلات الإقليمية. كما أن الجماعات المسلحة في الساحل لا تمتلك حتى الان بنية مركزية موحدة تسمح لها بإدارة دولة كاملة.

لذلك فإن السيناريو الأقرب ليس سقوط الدول بشكل كامل، بل ظهور مناطق واسعة خارجة عن السيطرة الحكومية، بما يشبه ما حدث في الصومال أو أجزاء من ليبيا خلال مراحل معينة من الصراع.

رغم أهمية السيناريوهات السابقة، فإن مستقبل الساحل سيظل رهينا بمجموعة من المتغيرات الحاسمة:

أولا، قدرة الأنظمة العسكرية الحاكمة على تحقيق نتائج ملموسة في مجال الأمن والتنمية. فاستمرار التدهور الاقتصادي قد يؤدي إلى تآكل شرعيتها الداخلية.

ثانياً، مستقبل الوجود الروسي في المنطقة. فإذا تراجعت المساندة العسكرية الروسية أو انخفضت فعاليتها، فقد تجد الحكومات نفسها أمام فراغ أمني خطير.

ثالثا، طبيعة العلاقة بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل. إذ إن تصاعد الصراع بينهما قد يضعف الطرفين، بينما قد يؤدي التنسيق غير المباشر بينهما إلى زيادة الضغوط على الحكومات.

رابعا، التحولات المناخية والديموغرافية، إذ يسهم الجفاف والتصحر والنمو السكاني السريع في إنتاج بيئات قابلة للتجنيد والاستقطاب المسلح.

في ضوء المعطيات الراهنة، يبدو أن منطقة الساحل تتجه خلال السنوات المقبلة نحو نموذج الاستنزاف المزمن أكثر من توجهها نحو انتصار حاسم لأي طرف. فالدول لا تملك القدرة على القضاء على التمرد المسلح، والجماعات المسلحة لا تمتلك المقومات اللازمة لبناء دولة مستقرة. غير أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي تدريجياً إلى إعادة تشكيل مفهوم الدولة نفسها في الساحل، حيث تصبح السلطة موزعة بين الحكومات المركزية والفاعلين المحليين والجماعات المسلحة.

وبالتالي، فإن التحدي الأساسي خلال الفترة 2026-2030 لن يكون مجرد مواجهة التهديدات الأمنية، بل إعادة بناء العقد السياسي والاجتماعي للدولة الساحلية، لأن الأزمة الحالية لم تعد أزمة أمنية فقط، بل أصبحت أزمة دولة وحكامة وشرعية في المقام الأول.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *