المحكمة العليا الإسبانية تنصف ضحية خطأ قضائي بعد عقود وتمنحه 2.5 مليون يورو تعويضا

رصد المغرب / سالم الطنجاوي


في قرار تاريخي يعد من أبرز الأحكام المتعلقة بالأخطاء القضائية في إسبانيا، ألغت المحكمة العليا الإسبانية قرار المحكمة الوطنية ووزارة العدل اللذين كانا قد رفضا في وقت سابق تعويض المواطن توموحي، معتبرة أنه كان ضحية “خطأ قضائي جسيم وواضح لا يمكن إنكاره”، الأمر الذي يحمل الدولة مسؤولية مالية مباشرة عن الأضرار التي لحقت به.

وتعود جذور القضية إلى أوائل تسعينيات القرن الماضي، حين شهدت عدة مدن في إقليم كتالونيا، من بينها لا سيكويتا ولا بيسبال وأوليسا وكورنيلا، سلسلة من الاعتداءات التي أثارت حالة من الخوف والقلق بين السكان. وفي عام 1991، أُدين توموحي بجرائم اغتصاب وسرقة واختطاف، وصدر بحقه حكم بالسجن لفترات طويلة.

غير أن تطورات القضية كشفت لاحقا عن خلل خطير في مسار العدالة. فقد تبين أن أدلة بيولوجية حاسمة كانت موجودة ضمن ملف القضية، إلا أن المحكمة التي أصدرت الإدانة لم تأخذها بعين الاعتبار. وأظهرت تحاليل الحمض النووي أن الآثار البيولوجية التي عثر عليها في مواقع الاعتداءات لا تتطابق مع الحمض النووي للمتهم.

وأكدت المحكمة العليا أن تجاهل هذه الأدلة “الموضوعية والأساسية والصحيحة” أخل بالمنطق القانوني الذي استندت إليه الإدانة، وكان عاملا حاسما في إصدار الحكم الخاطئ. واستغرق الأمر سنوات طويلة حتى بدأت المحاكم في تصحيح هذا الخطأ، حيث تم نقض أول حكم في عام 1997، ثم صدر نقض ثان في عام 2023، قبل أن تتم تبرئة توموحي نهائيا في دجنبر الماضي.

ورغم صدور أحكام البراءة، رفضت السلطات في البداية طلب التعويض الذي قدر بنحو 3.6 ملايين يورو، بحجة عدم إثبات وقوع خطأ جسيم في تطبيق العدالة. إلا أن المحكمة العليا رفضت هذا التفسير بشكل قاطع، معتبرة أن القضية تمثل مثالا واضحا على الإخفاق القضائي الجسيم.

وأشارت المحكمة إلى أن الحرمان الطويل من الحرية شكل انتهاكا خطيرا لأحد أهم الحقوق الأساسية، وهو الحق في الحرية، كما خلّف آثارا نفسية وأخلاقية عميقة، وحرم الضحية من فرص عديدة في حياته الشخصية والمهنية.

وبناء على ذلك، قضت المحكمة بمنح توموحي تعويضا قدره 2.5 مليون يورو، معتبرة أن هذا المبلغ يمثل تعويضاً “معقولا ومتناسبا” مع حجم الضرر الذي تعرض له، بعيدا عن التعويض الرمزي أو المبالغ فيه.

ولا تقتصر أهمية الحكم على هذه القضية الفردية فحسب، بل تمتد إلى إرساء سابقة قانونية مهمة في النظام القضائي الإسباني. حيث أوضحت المحكمة أن إلغاء الإدانة لا يعني تلقائيا تحميل الدولة المسؤولية، إلا أن التعويض يصبح مستحقا عندما يكون الخطأ القضائي مباشرا وواضحا وجليا، خاصة في الحالات التي يتم فيها إغفال أدلة حاسمة كان من شأنها تغيير مسار القضية.

ويرى مراقبون أن هذا القرار قد يفتح الباب أمام ضحايا آخرين للأخطاء القضائية للمطالبة بحقوقهم، خصوصا في القضايا الاستثنائية التي يثبت فيها وقوع إخفاقات جسيمة أثرت بشكل مباشر على مصير المتهمين وحرياتهم الأساسية.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *