رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي
في كل خمس سنوات، يعاد فتح الستار على المسرحية نفسها. نفس الأحزاب التي استهلكت رصيدها السياسي منذ سنوات، نفس الوجوه التي تجيد الكلام أكثر مما تجيد العمل، بل منهم معمرون، ونفس الوعود التي سمعها المغاربة عشرات المرات حتى فقدت معناها، ونفس النتائج التي لا تحمل سوى المزيد من الإحباط وفقدان الثقة.
ويتقدم الممثلون إلى المنصة بوجوه جديدة أحيانا، لكن بعقلية قديمة دائما. يتنافسون على كسب الأصوات بشعارات براقة وخطابات منمقة، ثم ما إن تنتهي الانتخابات حتى يختفي معظمهم عن أنظار المواطنين، وكأن دورهم الوحيد كان الفوز بالمقاعد لا خدمة الوطن. حيث بعد ذلك تمر السنوات الخمس، ويعود المشهد من جديد، وكأن شيئا لم يحدث، وكأن الفشل لم يقع، وكأن الوعود التي لم تنفذ لم تكن موجودة أصلا.
المشكلة في المغرب لم تعد مجرد أزمة أحزاب أو أزمة انتخابات، بل أصبحت أزمة ثقة عميقة بين المواطن والمشهد السياسي برمته. فكيف يطلب من المواطن أن يؤمن بالتغيير عبر صناديق الاقتراع وهو يرى نفس النخب تتبادل المواقع والمناصب منذ عقود؟ وكيف يطلب منه أن يصدق الوعود الجديدة وهو لم ير محاسبة حقيقية على الوعود القديمة؟
إن الديمقراطية لا تقاس بعدد الحملات الانتخابية ولا بعدد الملصقات المعلقة على الجدران، بل تقاس بقدرة المواطن على محاسبة المسؤول، وبوجود تنافس سياسي نزيه، وبقدرة الكفاءات الجديدة على الوصول إلى مواقع القرار دون الحاجة إلى الولاءات والشبكات والمصالح الضيقة.
لقد تحولت بعض الأحزاب إلى هياكل انتخابية موسمية تستيقظ قبيل الاقتراع وتختفي بعده، وتحول بعض أشباه السياسيين إلى محترفي انتخابات لا محترفي تنمية وإصلاح. أما المواطن، فقد أصبح في كثير من الأحيان مجرد رقم انتخابي يستدعى عند الحاجة ثم يترك وحيدا أمام مشاكل البطالة وغلاء المعيشة وضعف الخدمات وتراجع الثقة في العمل السياسي.
والأخطر من ذلك أن استمرار الفساد السياسي، بكل أشكاله، يفرغ العملية الانتخابية من جزء كبير من مضمونها. لأن الديمقراطية لا تزدهر في بيئة تختلط فيها المصالح الخاصة بالمصلحة العامة، ولا في مناخ يغيب فيه الشعور بأن الجميع متساوون أمام القانون والمحاسبة. ولهذا فإن السؤال لم يعد هو هل يحتاج المغرب إلى انتخابات؟ حيث الجواب واضح، وهو نعم، يحتاج إليها. ولكن المغرب يحتاج قبل ذلك إلى شيء أكثر أهمية، وهو إصلاح سياسي حقيقي وشجاع وعميق.
إن المغرب يحتاج إلى تجديد النخب بدل إعادة تدويرها. يحتاج إلى أحزاب قوية بمشاريع واضحة لا بمواسم انتخابية عابرة. يحتاج إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي لا كشعار للاستهلاك السياسي. يحتاج إلى تجفيف منابع الفساد السياسي والزبونية والريع والامتيازات التي شوهت صورة العمل العام وأفقدت المواطنين الثقة في المؤسسات.
فما قيمة انتخابات تتكرر فيها الوجوه نفسها والعقليات نفسها والنتائج نفسها؟ وما قيمة الوعود إذا كانت تتحول بعد إعلان النتائج إلى مجرد حبر على ورق؟ وما قيمة الخطابات إذا كانت معاناة المواطنين تزداد بينما يزداد بعض السياسيين نفوذا وثروة وحضورا؟
إن الشعوب لا تفقد الثقة في الديمقراطية بسبب الديمقراطية نفسها، بل بسبب الذين يستغلونها كشعار دون أن يلتزموا بروحها ومبادئها. وعندما يشعر المواطن أن صوته لا يغير شيئا، وأن الوجوه نفسها ستعود مهما كانت النتائج، فإن الخطر لا يكون على الانتخابات فقط، بل على الثقة العامة في السياسة ومؤسساتها.
إن المغرب يستحق حياة سياسية أكثر جدية، وأكثر نزاهة، وأكثر احتراما لعقول المواطنين. وأيضا يستحق أن تكون الانتخابات محطة للتغيير الحقيقي لا مجرد موعد دوري لإعادة إنتاج الواقع نفسه. ويستحق أن يرى مسؤولين يحاسبون على الإنجاز والفشل، لا أشباه سياسيين يعودون كل خمس سنوات ليبيعوا الأحلام نفسها بعبارات مختلفة.
لقد آن الأوان للانتقال من ديمقراطية الشكل إلى ديمقراطية المضمون، ومن تكرار المشهد إلى صناعة التغيير، ومن تدوير الوجوه إلى تجديد المشروع السياسي نفسه. فالأوطان لا تبنى بالخطب والشعارات، بل بالإرادة والإصلاح والمحاسبة والصدق مع المواطنين.
وأما الاستمرار في تكرار المشهد ذاته وانتظار نتائج مختلفة، فليس إصلاحا سياسيا، بل إطالة لعمر الأزمة.
شارك المقال






















Leave a Reply