استشراف المآلات في ضوء السُّنن الربانية… كيف يهدي القرآن إلى قراءة المستقبل؟الحلقة الثامنة

رصد المغرب بنعياد محمد *

هل يستطيع الإنسان أن يقرأ المستقبل؟ سؤالٌ شغل العقول قديمًا وحديثًا، فاندفع بعض الناس إلى التنجيم، وآخرون إلى التوقعات السياسية والاقتصادية، بينما وقف القرآن موقفًا متميزًا؛ فلم يفتح باب ادعاء علم الغيب، ولم يغلق باب النظر في المستقبل، بل دلَّ الإنسان على طريق ثالث يقوم على الهداية إلى السُّنن.

ومن هنا تبرز إحدى الآيات المؤسسة لفقه السُّنن الربانية، يقول تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ هذه الآية العظيمة لا تقتصر على بيان الأحكام، وإنما تكشف مقصدًا قرآنيًا أوسع؛ وهو أن الله سبحانه يريد أن يهدي عباده إلى السنن التي جرت في الأمم السابقة، حتى لا يبقى التاريخ مجرد أخبار تُروى، وإنما يصبح مدرسةً لفهم قوانين الاجتماع الإنساني، وحركة الحضارات، وصعود الأمم وسقوطها.

ولهذا لم يكن القرآن يكرر قصص الماضين من أجل العظة المجردة، بل من أجل بناء عقلٍ يعتبر، ويستنبط، ويهتدي بالسنن، ولذلك قال سبحانه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾،فالسير في الأرض هنا ليس دعوة إلى مشاهدة الآثار فحسب، وإنما إلى دراسة التاريخ، واستخراج قوانينه، والتأمل في أسباب النهوض والانهيار.

ومن هنا يتبين أن استشراف المآلات في المنظور القرآني لا يقوم على ادعاء معرفة الغيب، وإنما على فهم السنن التي أودعها الله في الكون والمجتمع، فالقرآن يعلمنا أن للظلم عواقب، وللعدل آثارًا، وأن التغيير مرتبط بتغيير النفوس، وأن التداول، والتدافع، والابتلاء، والتمحيص، والاستبدال، سنن ماضية لا تحابي أحدًا، وكلما ازداد الإنسان فهمًا لهذه السنن، ازداد قدرة على قراءة الاتجاهات العامة للأحداث، دون أن يزعم العلم بما سيقع على وجه اليقين.

وهنا يظهر الفرق بين استشراف المآلات وادعاء علم الغيب، فالغيب استأثر الله بعلمه، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، أما استشراف المآلات فهو اجتهاد بشري يقوم على استقراء السنن، وفهم الواقع، وتحليل الأسباب، مع الإقرار بأن النتائج النهائية تبقى خاضعة لمشيئة الله وحكمته.

ولهذا فإن الباحث في فقه السُّنن لا يقول: سيقع كذا حتمًا، وإنما يقول: إذا استمرت الأسباب على حالها، ولم تطرأ موانع أو متغيرات جديدة، فإن السنن الربانية تدل على اتجاهات عامة يمكن الاهتداء بها في تقدير المآلات، وهذا هو الفرق بين الاستقراء العلمي، وبين التنبؤ الذي يدعي القطع بما لم يقع.

وقد كان القرآن نفسه يربي المؤمنين على هذا المنهج؛ فهو يربط بين الأسباب والنتائج، ويأمر بالنظر في مصائر الأمم، ويكشف أن السنن لا تتبدل، قال تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾. وهذا هو الذي يجعل دراسة السنن ذات قيمة في فهم الحاضر والاستعداد للمستقبل.

غير أن هذا الاستشراف لا يكتمل إلا إذا اجتمع فيه أمران: فقه النص، وفقه الواقع،فلا تكفي معرفة الآيات دون إدراك تفاصيل الواقع، كما لا يكفي تحليل الواقع دون الاهتداء بهداية القرآن، ومن هنا كانت الحاجة إلى بناء العقل السُّنني القادر على الجمع بين الوحي والواقع، وبين الإيمان بالأقدار والأخذ بالأسباب، وبين قراءة الماضي وحسن تقدير المستقبل.

إن الأمة الإسلامية اليوم في أمسِّ الحاجة إلى هذا اللون من الوعي؛ فالأحداث تتسارع، والتحولات الدولية تتعاقب، والمواقف تُبنى في كثير من الأحيان على الانفعال أو الأمنيات، أما القرآن فيدعونا إلى البصيرة، وإلى بناء رؤية تستند إلى السنن التي هدى الله إليها عباده، حتى تكون قراءتنا للواقع أكثر اتزانًا، وقراراتنا أكثر رشدًا، واستعدادنا للمستقبل أكثر وعيًا.

إن فقه السُّنن لا يمنح الإنسان مفاتيح الغيب، ولكنه يمنحه ما هو في متناول البشر: الهداية إلى القوانين التي أجراها الله في حياة الأمم،ومن فهم هذه القوانين، وأحسن تنزيلها على الواقع بضوابطها، استطاع أن يقرأ الأحداث قراءة أعمق، وأن يميز بين العارض والثابت، وبين اللحظة التاريخية والسنن الممتدة، وأن يستعد للمستقبل بعلمٍ وعمل، لا بوهمٍ أو أمنية.

ولعل هذه هي الرسالة الكبرى التي أراد القرآن أن يورثها للأمة: أن تتعامل مع التاريخ بعين الاعتبار، ومع الحاضر بعين البصيرة، ومع المستقبل بعين المسؤولية؛ لأن الله لم يترك عباده في ظلمات الحيرة، بل بيَّن لهم، وهداهم سنن الذين من قبلهم، لتبقى السنن الربانية نورًا يهدي إلى حسن الفهم، وصواب العمل، ورشد القرار.

محمد بنعياد*
باحث في سلك الدكتوراه في الدراسات الإسلامية وقضايا المجتمع المعاصر
جامعة محمد الخامس – الرباط

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *