رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /
إذا صحت نسبة التسجيل الصوتي المتداول إلى راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد حديث عابر داخل اجتماع حزبي، بل يفتح نقاشا سياسيا وأخلاقيا عميقا حول الطريقة التي تنظر بها بعض النخب الحزبية إلى الاستحقاقات الانتخابية وإلى الدولة ومؤسساتها.
إن التسجيل المتداول، الذي لم يتسن التحقق بشكل مستقل من صحته أو من سياقه الكامل، يتضمن حديثا شديد اللهجة بشأن فوزي لقجع، مع ما يفهم منه وجود موقف مسبق من إمكانية توليه حقيبة وزارة المالية، وربط ذلك بنتيجة الانتخابات وبترتيبات داخلية حول الحقائب الوزارية. وإذا كانت هذه المضامين صحيحة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، هو هل أصبحت الوزارات تحجز وتوزع داخل الاجتماعات الحزبية قبل أن يقول الناخب كلمته؟
المفارقة أن الأمر يتعلق بشخص يشغل رئاسة مؤسسة دستورية أساسية، يفترض أن تكون في صلب احترام قواعد اللعبة الديمقراطية، وفي مقدمتها الاحتكام إلى إرادة الناخبين وصناديق الاقتراع، لوليس التعامل مع الاستحقاقات وكأنها مجرد معركة لتوزيع مواقع النفوذ والامتيازات. والأخطر في مضمون التسجيل ليس فقط الحديث عن شخص بعينه، وإنما العقلية السياسية التي قد يعكسها، فهناك حسابات مسبقة حول من سيحصل على هذه الحقيبة ومن سيمنع من تلك، ومن يملك حق الصعود ومن توضع أمامه خطوط حمراء، ليفهم من كل ذلك، بأن الانتخابات هي مجرد محطة تقنية للوصول إلى السلطة، بينما يتم حسم شكل السلطة وتوزيع غنائمها داخل الغرف المغلقة. هنا تحديدا يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف.
يفترض أن الخطاب السياسي الموجه إلى المغاربة يتحدث عن البرامج والإصلاحات والتنمية والعدالة الاجتماعية، لكن مثل هذه التسريبات تكشف، إن ثبتت صحتها، عن صراعات أخرى تدور خلف الكواليس، وهي صراعات على الوزارات، صراعات على المواقع، صراعات على النفوذ، وصراعات على من يملك مفاتيح القرار. وأما البرامج والسياسات العمومية وانتظارات المواطنين، فتأتي في آخر الطابور.
والأكثر إثارة للقلق أن يتحول النقاش الانتخابي، من سؤال ماذا سنقدم للمغاربة؟ إلى سؤال من سيحصل على أي حقيبة؟ ومن سنمنعه من الوصول إليها؟ لأن الصورة القاتمة للديمقراطية تحول الانتخابات من تنافس حول المشاريع إلى اقتتال حول المناصب، ومن منافسة لخدمة المواطنين إلى معركة لتثبيت الولاءات وتوزيع مواقع القوة.
وبطبيعة الحال، فإن التسجيلات المسربة لا يمكن أن تكون وحدها أساسا لإدانة أي شخص، ما لم يتم التحقق من أصالتها وسياقها الكامل. لكن خطورة مضمونها تفرض فتح نقاش سياسي مسؤول، لا دفنه أو التعامل معه باعتباره مجرد “تسريب” عابر. لأن المغاربة لا يصوتون لكي تمنحهم الأحزاب حقائب وزارية، بل إنهم يصوتون لاختيار من يفترض أن يدبر شؤونهم ويستجيب لأولوياتهم.
وحين يشعر المواطن بأن معركة الانتخابات تدار في مكان آخر، وأن أسماء الوزراء والحقائب والخطوط الحمراء يجري تداولها قبل أن تفتح صناديق الاقتراع، فإن السؤال لم يعد فقط من سيفوز في الانتخابات؟ بل يصبح السؤال الأكثر إحراجا، هو ماذا بقي من معنى الانتخابات إذا كانت بعض نتائجها ترسم مسبقا في كواليس الأحزاب؟
هذه ليست قضية فوزي لقجع وحده، ولا قضية الطالبي العلمي وحده، ولا حتى قضية حزب بعينه. إنها قضية صورة السياسة المغربية نفسها، وقضية الثقة بين المواطن والمؤسسات والأحزاب. والرسالة التي يجب أن تصل إلى الجميع بسيطة وواضحة، وهي أن الحقائب الوزارية ليست غنائم حزبية، والسلطة ليست ملكية خاصة، وصناديق الاقتراع ليست مجرد تفصيل يأتي بعد انتهاء صراعات الكواليس. لأن المواطن هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة.
وأي محاولة لتحويل الانتخابات إلى مجرد بوابة لتقاسم النفوذ قبل معرفة حكم الناخبين، إن ثبتت، ليست فقط إساءة للسياسة، بل إساءة مباشرة للثقة التي يفترض أن تقوم عليها الديمقراطية.
شارك المقال























Leave a Reply