رصد المغرب / مراد مجاهد /
أحيانا لا تحتاج السياسة إلى خصم كي تضع نفسها في مواجهة مع أسئلتها، يكفي أن تكتب بلاغاً اليوم ثم تعود بعد أيام لتكتب بلاغاً آخر، فتتكفل الوقائع وحدها بفتح باب المقارنة. وهذا بالضبط ما يجعل ما جرى في طنجة منذ يوم الاقتراع في 23 شتنبر إلى غاية 2 أكتوبر جديراً بالتأمل، لا لأننا نريد أن نحاكم أحداً بدل القضاء، ولا لأننا نملك معطيات التحقيق التي لا تزال أمام المؤسسات المختصة، ولكن لأننا نملك شيئاً أبسط من ذلك بكثير: بلاغات رسمية، وتواريخ محددة، وقرارات معلنة، وأسئلة مشروعة من حق المواطن أن يطرحها.
في يوم 23 شتنبر، وهو يوم الاقتراع، خرجت القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة ببلاغ شديد اللهجة حول ما وقع في بعض مكاتب التصويت بطنجة، ورفضت ما وصفته بحملة مغرضة ومفتعلة وبمحاولة مكشوفة لاستهداف الحزب، بل ذهبت لغة البلاغ إلى الحديث عن سيناريو محبوك ومؤامرة سياسية تقودها أطراف أربكها الحضور القوي للحزب وثقة المواطنين فيه، وفي الوقت نفسه أعلن الحزب دعمه الكامل لفتح البحث القضائي وثقته في مؤسسات الدولة والسلطة القضائية.
وهنا لا مشكلة في أن يدافع حزب سياسي عن نفسه، فهذا من صميم العمل السياسي، ولا مشكلة كذلك في أن يشكك في رواية يتم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن الحزب له الحق في تقديم روايته والدفاع عن مناضليه، لكن المشكلة التي تستحق النقاش تبدأ عندما تتحول لغة الدفاع السياسي إلى ما يشبه الخلاصة قبل أن تنتهي عملية البحث، لأن المواطن البسيط قد يفهم من عبارات مثل «مؤامرة» و«سيناريو محبوك» أن الحقيقة أصبحت معروفة، بينما الحقيقة القانونية لا تكون ملكاً لبلاغ حزبي ولا لمنشور على فيسبوك ولا لمقطع فيديو متداول، وإنما تبقى من اختصاص الجهات التي تحقق وتتابع وتحكم وفق القانون.
ثم مرت الأيام، وبدأ الملف يأخذ مساراً قضائياً أكثر وضوحاً، فبعد فتح البحث وتطوراته، أصدرت القيادة الجماعية للحزب يوم 28 شتنبر بلاغاً جديداً أعلنت فيه ترحيبها بالمسار الذي اتخذه البحث، وقالت إن الحقيقة ستعلن بتفاصيلها كاملة، والأهم أنها أعلنت بوضوح أن الحزب سيعمل على ترتيب أي أثر للأبحاث القضائية والإدارية الجارية إذا كان المعني بها من الحزب، وبنفس الجرأة والوضوح، مع تحمل كامل مسؤوليته.
ثم جاء 2 أكتوبر، فجاء القرار التنظيمي بتجميد عضوية منير ليموري في مختلف هياكل الحزب على خلفية الأحداث الانتخابية نفسها والإحالة التي توصلت بها اللجنة الوطنية للتحكيم والأخلاقيات من المكتب السياسي. وفي اليوم نفسه، كانت القضية قد دخلت مرحلة قضائية أكثر حساسية، بعدما قرر قاضي التحقيق إيداع ليموري رهن الاعتقال الاحتياطي، مع توجيه تهم أوردتها وسائل الإعلام نقلاً عن مصادرها، مع بقاء قرينة البراءة قائمة إلى أن يصدر حكم قضائي نهائي.
وهنا، بعيداً عن الإثارة وبعيداً عن الرغبة في إدانة هذا أو تبرئة ذاك، يطرح المواطن سؤالاً بسيطاً جداً: إذا كان ما وقع يوم 23 شتنبر مجرد مؤامرة على الحزب كما أوحى البلاغ الأول، فكيف وصل الأمر بعد أيام إلى بحث قضائي ثم إلى إجراءات حزبية في حق مسؤول حزبي بارز؟ وإذا كان الحزب نفسه يقول اليوم إنه يتحمل مسؤوليته ويرتب آثار الأبحاث عندما يتعلق الأمر بأحد أعضائه، فهل كان من الأجدر منذ البداية أن تترك كل الاحتمالات مفتوحة، بدل أن يتم تقديم رواية «الاستهداف والمؤامرة» بهذه الثقة قبل اكتمال الصورة؟
لا أقول إن البلاغ الأول كان كاذباً، فهذا حكم لا أملكه، ولا أقول إن قرار تجميد العضوية يعني إدانة قضائية، فهذا أيضاً غير صحيح قانوناً، وإنما أقول شيئاً أبسط: الوقائع اللاحقة جعلت لغة البلاغ الأول تحتاج إلى إعادة قراءة. وهذه ليست إدانة للحزب، بل مساءلة مشروعة للخطاب السياسي نفسه. لأن السياسة ليست فقط أن تقول ما تريد عندما تكون تحت الضغط، وإنما أن تكون قادراً على مراجعة اللغة عندما تتغير المعطيات. والحزب الذي يقول إنه يثق في القضاء ويحتكم إلى المؤسسات لا يخسر شيئاً عندما يقول للرأي العام: كانت لدينا رواية أولى، ثم ظهرت معطيات جديدة، والآن ننتظر الحقيقة كاملة. بل ربما يكون ذلك أكثر قوة واحتراماً لعقول المواطنين من الاستمرار في لغة المؤامرة كلما ظهرت واقعة لا تنسجم مع الرواية الأولى.
والأكثر إثارة في هذه القصة أن منير ليموري لم يكن شخصاً هامشياً داخل المشهد التنظيمي للحزب بطنجة؛ فالموقع الرسمي للحزب كان قد قدمه في بداية شتنبر باعتباره الأمين الإقليمي للحزب بطنجة-أصيلة إلى جانب الأمين الجهوي، في إطار الاستعدادات للاستحقاق الانتخابي، كما أن القيادة الوطنية للحزب حضرت محطة انتخابية كبرى بطنجة قبل الاقتراع بأيام، في مشهد كان يعكس انخراط مختلف مستويات التنظيم في الحملة الانتخابية. ولذلك فإن قرار تجميد عضويته ليس تفصيلاً تنظيمياً عابراً، بل خطوة سياسية وتنظيمية لها وزنها، خصوصاً أنها جاءت بعد أيام قليلة من الانتخابات وبعد تطور البحث القضائي.
ومع ذلك، يجب أن نبقى دقيقين: التجميد الحزبي ليس حكماً قضائياً، والاعتقال الاحتياطي ليس حكماً بالإدانة، والاتهام ليس حقيقة نهائية، وهذه ليست مجاملات قانونية وإنما قواعد أساسية في دولة المؤسسات. لذلك لا يجوز أن نقلب المشهد فننتقل من خطأ محتمل في التسرع السياسي إلى خطأ آخر يتمثل في التسرع في الإدانة القضائية. لكن في المقابل، لا يجوز أيضاً أن نطلب من المواطن أن يصمت عن التناقضات الظاهرة في الخطاب السياسي بحجة أن الملف أمام القضاء. المواطن لا يحاكم أحداً عندما يسأل: ماذا قلتم يوم 23 شتنبر؟ وماذا قلتم يوم 28 شتنبر؟ وماذا فعلتم يوم 2 أكتوبر؟ هذه أسئلة سياسية مشروعة، وليست تدخلاً في عمل القضاء. القضاء له مجاله، والسياسة لها مجالها، والصحافة والرأي العام لهما حقهما في قراءة الخطاب السياسي ومقارنته بالوقائع المعلنة. وبين هذه المجالات الثلاثة يجب أن يبقى الحد الفاصل واضحاً.
ولعل الدرس الأهم من قضية طنجة ليس فقط مصير شخص أو حزب، وإنما الطريقة التي ينبغي أن تتعامل بها الأحزاب مع الأزمات الانتخابية. عندما يقع حدث غامض في يوم الاقتراع، الأفضل ربما ألا نكتب نهايته قبل أن تبدأ التحقيقات. نقول إن هناك معطيات مقلقة، نقول إن الحزب يرفض الاتهامات، نقول إننا نطالب بالتحقيق، ونقول إننا سننتظر الحقيقة، ثم نترك للقضاء أن يقول كلمته. لأن استعمال كلمة «مؤامرة» في السياسة سهل جداً، لكن التراجع عنها عندما تأتي الوقائع بأسئلة جديدة ليس سهلاً. وفي الديمقراطية، ليست القوة في أن تنتصر في البلاغ، وإنما في أن تستطيع مواجهة الحقيقة عندما تظهر، أياً كان اتجاهها.
وربما لهذا السبب تحديداً أصبح الانتقال من بلاغ 23 شتنبر إلى قرار 2 أكتوبر أكثر دلالة من القرار نفسه؛ ففي الأول كان الحزب يتحدث عن استهدافه، وفي الثاني أصبح يتحدث عن مسؤوليته التنظيمية تجاه ما تكشفه الأبحاث. وبين العبارتين عشرة أيام فقط، لكنها عشرة أيام كافية لتذكير الجميع بأن السياسة قد تكتب بلاغاً في ساعة، بينما الحقيقة تحتاج إلى وقت، والتحقيق يحتاج إلى أدلة، والقضاء يحتاج إلى مسطرة، والتاريخ وحده لا يقرأ البلاغ منفرداً، بل يضع البلاغ بجانب البلاغ، والتصريح بجانب القرار، والكلام بجانب ما حدث بعده. لذلك، لا نحتاج اليوم إلى محاكمة منير ليموري في الصحافة، ولا إلى محاكمة حزب الأصالة والمعاصرة في مواقع التواصل، ولا إلى تحويل القضية إلى معركة تشفٍّ سياسي. ما نحتاجه أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن نترك القضاء يقوم بعمله كاملاً، وأن يترك الحزب مؤسساته تقوم بعملها، وأن يحتفظ المواطن بحقه في السؤال. لأن السؤال ليس مؤامرة، والنقد ليس استهدافاً، والمطالبة بالتوضيح ليست عداءً لحزب، كما أن الدفاع عن النفس لا ينبغي أن يتحول إلى حكم مسبق على الآخرين.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الحقيقي الذي تركته لنا طنجة ليس: من كان على حق يوم 23 شتنبر؟ وإنما: هل نتعلم من الوقائع قبل أن نطلق الأحكام، أم أننا في السياسة نحب دائماً أن نعلن نهاية القصة قبل أن تبدأ الحقيقة في الكلام؟
شارك المقال






















Leave a Reply