من كنزة العروبة إلى خناثة بنت بكار.. نساء صنعن التاريخ السياسي للمغرب

رصد المغرب / عبدالصمد الشرادي /


يمثل وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة، وفق المعطيات الواردة في الموضوع، محطة بارزة في تاريخ المشاركة السياسية للمرأة بالمغرب، غير أن حضور النساء في دوائر القرار والسلطة بالمملكة ليس وليد العصر الحديث، إذ تعود جذوره إلى قرون مضت، حين برزت شخصيات نسائية كان لها تأثير في الحكم وصناعة القرار والتحالفات السياسية.

ومن بين أبرز هذه الشخصيات، تبرز كنزة العروبة، وزينب النفزاوية، والسيدة الحرة، وخناثة بنت بكار، اللواتي ارتبطت أسماؤهن بمراحل مفصلية من التاريخ السياسي المغربي.

في القرن الثامن الميلادي، برزت كنزة العروبة، المنحدرة من قبيلة أوربة الأمازيغية، باعتبارها شخصية ارتبطت بنشأة الدولة الإدريسية. وكانت ابنة زعيم أوربة إسحاق بن محمد بن حميد، قبل أن تصبح زوجة إدريس الأول، مؤسس الدولة الإدريسية، وأم إدريس الثاني.

وقد شكل زواج إدريس الأول من كنزة تحالفا مهما مع قبيلة أوربة التي احتضنته بعد وصوله إلى المغرب، عقب فراره من الملاحقة العباسية إثر معركة فخ. وبعد وفاة إدريس الأول، وكانت كنزة حينها حاملا، ارتبط اسمها بالحفاظ على مستقبل الأسرة الحاكمة، إذ ساهمت في حماية ابنها إدريس الثاني ودعم انتقال السلطة إليه، وظلت حاضرة في المشهد السياسي خلال فترة حكمه الأولى.

وبعد نحو ثلاثة قرون، ظهرت زينب النفزاوية كإحدى أبرز الشخصيات النسائية المرتبطة بصعود دولة المرابطين. وتنحدر زينب من قبيلة نفزاوة الأمازيغية، ونشأت في أغمات، التي كانت آنذاك مركزا تجاريا وسياسيا مهما. حيث ارتبط اسمها بعدد من الشخصيات النافذة قبل زواجها من يوسف بن تاشفين، أحد أبرز حكام المرابطين.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن زينب أصبحت من المقربين من يوسف بن تاشفين، وأنه كان يستشيرها في عدد من القضايا السياسية. كما تنسب إليها بعض المصادر دورا في دعم مشروعه السياسي والمساهمة في ترسيخ نفوذ المرابطين، فضلا عن روايات تربطها بتأسيس مراكش وتطورها، وإن كانت تفاصيل هذا الدور تختلف بين المصادر التاريخية.

ومن أشهر الروايات المتداولة بشأن نفوذها، قصة عودة أبي بكر بن عمر من الصحراء، حين يُقال إن زينب نصحت يوسف بن تاشفين بتجنب الصدام مع ابن عمه واستقباله بحفاوة، وهو ما ساعد، وفق هذه الرواية، على تفادي مواجهة داخلية والحفاظ على السلطة.

وفي القرن السادس عشر، وصلت السيدة الحرة إلى موقع مختلف من ممارسة السلطة، بعدما أصبحت حاكمة فعلية لمدينة تطوان. نشأت السيدة الحرة في شفشاون، وتلقت تعليما مكّنها من المشاركة في الشأن العام، قبل أن تتزوج من محمد المندري الثاني، حاكم تطوان والقائد العسكري المنحدر من الأندلس.

ومع غياب زوجها، شاركت في إدارة شؤون المدينة، وبعد وفاته أصبحت صاحبة السلطة فيها، واستمرت في حكم تطوان لسنوات. وخلال تلك المرحلة، تحولت تطوان إلى مركز مهم للاجئين الأندلسيين، كما ارتبطت بنشاط بحري واسع ضد السفن الإسبانية والبرتغالية.

وتذكر المصادر أن السيدة الحرة نسجت تحالفا مع خير الدين بربروس، أحد أبرز القادة البحريين في البحر المتوسط، كما اضطلعت بأدوار دبلوماسية مرتبطة بالتفاوض حول الأسرى. وفي عام 1541، تزوجت السلطان الوطاسي أحمد الوطاسي، مع احتفاظها بحكم تطوان، في زواج حمل أيضا أبعادا سياسية. وبعد عزلها سنة 1542، عادت إلى شفشاون، حيث اعتزلت الحياة السياسية.

أما في العصر العلوي، فتبرز خناثة بنت بكار، التي جمعت بين العلم والمكانة الاجتماعية والنفوذ السياسي داخل البلاط. كانت خناثة ابنة الشيخ بكار، وتلقت تعليما في العلوم الدينية والفقه، قبل أن تتزوج السلطان مولاي إسماعيل سنة 1678.

ولم يقتصر حضورها على موقعها كزوجة للسلطان، بل ارتبط اسمها بدور استشاري ودبلوماسي داخل البلاط. وتشير المصادر التاريخية إلى أن خناثة كانت من الشخصيات التي يُستشار رأيها في بعض شؤون الدولة، كما لجأ إليها عدد من أصحاب الحاجات للوساطة. وامتد نفوذها إلى المجال الدبلوماسي، خصوصاً في ملف الأسرى الأوروبيين والمفاوضات المرتبطة بإطلاق سراحهم.

وبعد وفاة مولاي إسماعيل سنة 1727، دخل المغرب مرحلة من الصراع على العرش، لتبرز خناثة مرة أخرى في دعم ابنها السلطان مولاي عبد الله، مستفيدة من علاقاتها وتحالفاتها داخل المجتمع والبلاط. وظلت حاضرة في الحياة السياسية خلال الاضطرابات التي شهدها المغرب في تلك المرحلة، إلى أن توفيت سنة 1746 ودُفنت في فاس الجديد.

وتكشف سيرة هذه الشخصيات الأربع عن أشكال مختلفة من حضور المرأة في الحياة السياسية المغربية؛ فكنزة العروبة ارتبط نفوذها بتأسيس الدولة الإدريسية والحفاظ على استمراريتها، بينما ارتبط اسم زينب النفزاوية بصعود المرابطين وترسيخ سلطة يوسف بن تاشفين، ومارست السيدة الحرة حكما مباشرا في تطوان، في حين برزت خناثة بنت بكار كمستشارة وشخصية دبلوماسية مؤثرة في البلاط العلوي.

وبينما يمثل وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة في المغرب المعاصر تطورا سياسيا حديثا، فإن التاريخ المغربي يحتفظ بأسماء نساء سبقن ذلك بقرون، وشاركن، بأشكال مختلفة، في صناعة القرار وإدارة المدن وبناء التحالفات والتأثير في مسارات الحكم.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *