رصد المغرب / عبدالحميد الإدريسي /
تتجه الأنظار إلى مسار إصلاح مدونة الأسرة في المغرب، باعتباره واحدا من أبرز الملفات الاجتماعية والتشريعية المطروحة أمام الحكومة، لما يثيره من أسئلة مرتبطة بالحقوق والواجبات داخل الأسرة، وبأوضاع الأطفال بعد الطلاق، فضلا عن الإشكالات التي تواجه الأسر المغربية المقيمة بالخارج.
ويطرح ورش الإصلاح عددا من القضايا العملية التي تتجاوز النقاش السياسي، من بينها كيفية احتساب سنوات العمل غير المؤدى عنه داخل المنزل عند انفصال الزوجين، وضمان استمرار علاقة الأطفال بوالديهم بعد الطلاق، إلى جانب توفير ضمانات قانونية للأسر المغربية التي تعيش أو تتعامل مع أنظمة قانونية مختلفة خارج المملكة.
ويكتسي هذا الملف أهمية خاصة في ظل ترؤس فاطمة الزهراء المنصوري للحكومة، غير أن هذا المعطى، رغم رمزيته، لا يسمح باستنتاج مضمون الإصلاح المرتقب أو تحديد توجهاته النهائية، في انتظار استكمال المسار المؤسساتي والتشريعي المرتبط به.
وقد يكون عام 2027 محطة مهمة في مسار إصلاح قانون الأسرة، بحسب ما ستؤول إليه عملية إعداد النص والجدولة البرلمانية المرتبطة به. وكان وزير العدل قد أشار في وقت سابق إلى الحاجة إلى إدخال تعديلات على مدونة الأسرة، مع التأكيد على صعوبة التوفيق بين المواقف المختلفة بشأن عدد من القضايا المطروحة.
ويتمثل أحد أبرز التحديات أمام الحكومة في الانتقال من التوافق داخل الأغلبية الحكومية حول الملفات السياسية والاقتصادية إلى توافق بشأن القضايا الاجتماعية ذات الطبيعة الحساسة، خاصة أن المواقف داخل الأحزاب والشركاء السياسيين قد تختلف عندما يتعلق الأمر بقانون الأسرة.
كما يطرح الإصلاح أسئلة مرتبطة بالعمل غير المرئي داخل الأسرة، خصوصا في الحالات التي يكرس فيها أحد الزوجين سنوات من حياته لتربية الأبناء وتدبير شؤون المنزل أو مساعدة شريكه في عمله، من دون أن يتوفر على دخل مستقل. ويبرز هنا التساؤل حول كيفية تقدير هذا الجهد عند وقوع الانفصال، والآليات التي يمكن أن تضمن قدرا من الاستقرار المالي للطرف المتضرر.
ويحتل وضع الأطفال بدوره موقعا أساسيا في النقاش، إذ تبرز الحاجة إلى ضمان استمرارية الرعاية والحفاظ على الروابط الأسرية، إلى جانب الحد من الآثار التي قد تنتج عن النزاعات القضائية الطويلة. وتظل مصلحة الطفل عنصرا أساسيا في تقييم أي تعديلات مرتقبة على المنظومة القانونية للأسرة.
ولا يقتصر النقاش على الأسر المقيمة داخل المغرب، إذ تواجه الجالية المغربية بالخارج إشكالات خاصة مرتبطة بالزواج والطلاق والحضانة والنزاعات الأسرية العابرة للحدود. ومن ثم، يبرز تحدي تنسيق الإجراءات والاعتراف بالأحكام الصادرة في أنظمة قانونية مختلفة، بما يضمن حماية الحقوق الأسرية للمغاربة المقيمين بالخارج.
ويظل نجاح أي إصلاح مرتبطا أيضا بمدى توفر الإمكانيات اللازمة لتنفيذه، من خلال تكوين المهنيين، وتوفير المعلومة القانونية، ومواكبة الأطراف المعنية، وضمان تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية.
وبذلك، لا يرتبط تقييم إصلاح مدونة الأسرة بالنقاشات السياسية والمجتمعية المحيطة به فقط، وإنما بمدى قدرته على معالجة الإشكالات العملية التي تواجه الأسر، وتحويل الحقوق التي ينص عليها القانون إلى حقوق ملموسة يمكن الاستفادة منها على أرض الواقع.
ويشكل هذا الورش في نهاية المطاف، اختبارا لقدرة الحكومة على تدبير ملف اجتماعي حساس يجمع بين الأبعاد القانونية والاقتصادية والاجتماعية، في انتظار اتضاح مضامين الإصلاح ومساره التشريعي بشكل نهائي.
شارك المقال






















Leave a Reply