رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /
لم يعد الحديث في الكواليس السياسية يقتصر على من سيقود الحكومة المقبلة، بل انتقل إلى سؤال أكثر إثارة، وهو هل بدأ حزب الأصالة والمعاصرة بالفعل هندسة أغلبية مريحة، وفي الوقت نفسه دفع خصومه إلى معارضة مشتتة يصعب عليها توحيد صفوفها، حيث وفق السيناريو السياسي المتداول، فإن حصول «البام» على 97 مقعدا قد يكون مجرد نقطة الانطلاق نحو تشكيل تحالف واسع، يمكن أن يرفع رصيده إلى حوالي 216 مقعدا، وهي أغلبية من شأنها، إذا تحققت، أن تمنح الحزب وحلفاءه قدرة كبيرة على التحكم في مسار العمل الحكومي والتشريعي خلال الولاية المقبلة.
لكن المفاجأة وفق هذا السيناريو، لا تكمن فقط في حجم الأغلبية المرتقبة، وإنما في شكل المعارضة التي قد تواجهها. لأن «البام» لا يبحث فقط عن الأغلبية، بل عن معارضة مشتتة، حيث الحسابات السياسية لا تبدو في هذا الطرح، مقتصرة على جمع الأحزاب الضرورية لتشكيل الحكومة، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة رسم خريطة جديدة داخل البرلمان.
فالعدالة والتنمية وفيدرالية اليسار يتجهان إلى المعارضة، فيما اختارت أحزاب أخرى موقع الحياد، بينما قد تجد أحزاب مثل التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية نفسها، وفق السيناريو المطروح، في الصفوف المعارضة. والنتيجة المحتملة؟ هي معارضة متعددة الرؤوس، مختلفة المرجعيات، ومتباينة في الحسابات السياسية. وهو ما قد يجعل مهمة تشكيل جبهة معارضة موحدة أكثر صعوبة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملفات كبرى تتطلب تنسيقا بين مختلف المكونات.
أغلبية بـ216 مقعدا هي صاحب المزرعة داخل الحكومة؟ حيث يبرز سيناريو تحالف واسع يضم حزب الأصالة والمعاصرة إلى جانب حزب الاستقلال والحركة الشعبية والحزب الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، بما قد يقود إلى أغلبية برلمانية تقارب 216 مقعدا.
وفي قلب هذه التركيبة، سيكون «البام» صاحب الكلمة الأقوى، وفق السيناريو المتداول، باعتباره الحزب المتصدر للنتائج، مع إمكانية توليه رئاسة الحكومة واحتفاظه بعدد من القطاعات الحكومية الأساسية. وأما حزب الاستقلال، فقد يكون أحد أعمدة التوازن داخل الأغلبية وصمام الأمان، فيما يمكن أن تشكل الحركة الشعبية رافدا إضافيا لتوسيع قاعدة التحالف، بينما قد تتولى باقي المكونات أدوارا مرتبطة بالقطاعات الاجتماعية والرياضية وغيرها. فهل يستطيع الخصوم الاتفاق؟
إن المفارقة السياسية الأكبر أن قوة المعارضة لا تقاس بعدد الأحزاب الموجودة فيها فقط، وإنما بقدرتها على التحرك ككتلة واحدة. لأن وجود العدالة والتنمية إلى جانب أحزاب يسارية وأحزاب ذات توجهات سياسية مختلفة، فضلا عن أحزاب سبق أن كانت جزءا من الأغلبية الحكومية، قد يجعل التنسيق بينها مهمة شاقة. وهنا يطرح السؤال نفسه، وهو هل تستطيع هذه المكونات تجاوز خلافاتها التاريخية والسياسية من أجل مواجهة حكومة قوية؟ أم أن اختلافاتها ستجعل كل حزب يخوض معركته منفردا؟ فهل 216 مقعدا راحة تشريعية أم بداية صراع جديد؟
إذا تحقق سيناريو الأغلبية التي تصل إلى 216 مقعدا، فإن الحكومة المقبلة ستكون أمام وضع برلماني مريح نسبيا، يسمح لها بتمرير برامجها ومشاريع القوانين بأريحية أكبر. لكن الأغلبية العددية لا تعني بالضرورة أغلبية منسجمة. لأن الاختبار الحقيقي سيبدأ بعد تشكيل الحكومة، وهو توزيع الحقائب، وتحديد الأولويات، وتدبير الخلافات، والحفاظ على وحدة التحالف. وقد تتحول القوة العددية نفسها إلى مصدر ضغط إذا بدأت الحسابات الحزبية تتضارب داخل الأغلبية.
وبينما قد يجد «البام» نفسه أمام فرصة تاريخية لبناء حكومة قوية ومستقرة، ستجد المعارضة نفسها أمام امتحان لا يقل صعوبة، وهو هل تستطيع تحويل تعدد مكوناتها إلى قوة سياسية ورقابية حقيقية؟ لأنالمغرب وفق هذا السيناريو، قد يكون مقبلا على مشهد سياسي جديد كليا، حيث سيكون هناك حكومة بأغلبية ثقيلة، ومعارضة واسعة لكنها متعددة الاتجاهات. ويبقى السؤال الذي سيحسم المشهد، هو هل نحن أمام نهاية عصر التحالفات الهشة، وبداية مرحلة الأغلبية الحديدية؟ أم أن 216 مقعدا قد تخفي وراءها صراعا سياسيا أكبر داخل الحكومة نفسها؟
شارك المقال























Leave a Reply