رصد المغرب / كريمي مصطفى /
بعد أكثر من عقدين على بداية هذا الملف لم يعد السؤال الحقيقي هو ماذا وقع للمعتقلين الإسلاميين السابقين أثناء سنوات الاعتقال وإنما أصبح السؤال الأكثر إلحاحا هو ماذا بقي من آثار تلك المرحلة في حياتهم بعد انتهاء العقوبات
فالعقوبة بالنسبة إلى عدد كبير من المعتقلين انتهت منذ سنوات لكن آثارها لم تنته معها فهناك من خرج من السجن ليجد نفسه أمام واقع مهني مختلف وهناك من فقد مصدر رزقه وهناك من تعطلت مسيرته المهنية وهناك من ظل يواجه عراقيل إدارية وقانونية وآثارا امتدت إلى أسرته وحياته المدنية وهناك من ما زالت حالته الصحية والاجتماعية تتطلب معالجة فعلية
وهنا تكمن المشكلة الأساسية في طريقة التعامل مع هذا الملف إذ لا يمكن اختزال مرحلة ما بعد الاعتقال في تقديم مساعدات ظرفية أو استقبال ملفات متفرقة أو عقد لقاءات متتالية دون أن تنتهي إلى نتيجة واضحة
لقد أصبح واضحا أن معالجة هذا الملف تحتاج إلى الانتقال من منطق تدبير الآثار إلى منطق تسوية الملف ومن معالجة الحالات بشكل متفرق إلى مشروع وطني متكامل تكون له أهداف محددة وآليات واضحة واختصاصات دقيقة وآجال معلومة ونتائج قابلة للقياس
1 من تدبير الملف إلى تسويته
إن بقاء ملف بهذا الحجم مفتوحا لسنوات طويلة دون تصور نهائي للمعالجة يعني أن المشكلة لم تعد في غياب المطالب وإنما في غياب مسار واضح يؤدي إلى التسوية
ولهذا فإن المشروع الوطني للتسوية الشاملة لا ينبغي أن يكون مجرد لجنة جديدة أو مؤسسة إضافية أو قناة أخرى لإحالة الملفات من جهة إلى أخرى بل ينبغي أن يكون آلية عملية لها صلاحيات محددة ومسؤوليات واضحة وميزانية مخصصة وأجل نهائي معلن
فالغاية ليست إنشاء جهاز جديد يستمر الملف بوجوده وإنما إنشاء مسار يؤدي إلى إنهائه
والتسوية هنا لا تعني إسقاط الملف أو إغلاقه إداريا وإنما تعني معالجة الآثار التي ما زالت قائمة في حياة أصحابها
2 جبر الضرر في صلب التسوية
يبقى جبر الضرر المحور الأساسي في أي معالجة حقيقية لهذا الملف
فالضرر الناتج عن سنوات الاعتقال لا يمكن وضعه في قالب واحد ولا يمكن اختزاله في مساعدة مالية تقدم بصورة موسمية أو ظرفية
هناك ضرر مادي وهناك ضرر مهني واجتماعي وهناك آثار قانونية وإدارية وهناك خسائر مرتبطة بالمسار المهني وهناك حالات صحية وأسرية مختلفة
ومن ثم فإن جبر الضرر ينبغي أن يرتبط بطبيعة الضرر وحجمه ومداه وآثاره الفعلية
فليس من المنطقي أن تكون المعالجة واحدة لحالات تختلف جذريا من حيث مدة الاعتقال والسن والوضع الصحي والخسارة المهنية والوضع الاجتماعي والآثار التي خلفتها سنوات السجن
ولهذا فإن نجاح أي مشروع لا ينبغي أن يقاس بعدد الملفات التي تم استقبالها ولا بعدد اللقاءات التي عقدت ولا بعدد المساعدات التي تم توزيعها وإنما بعدد الحالات التي تمت تسوية وضعيتها فعليا
3 الملف التقني الفردي أساس للمعالجة
ومن هنا تبرز الحاجة إلى اعتماد ملف تقني فردي لكل حالة
هذا الملف ينبغي أن يرصد مدة الاعتقال وما ترتب عنها من آثار مهنية واجتماعية وإدارية وقانونية وصحية وأسرية وأن يحدد بشكل دقيق نوع الضرر والإجراء المطلوب لمعالجته
وبهذه الطريقة ينتقل الملف من مستوى المطالبة العامة إلى مستوى المعالجة التقنية
فلكل حالة معطياتها ولكل ضرر أسبابه وآثاره ولكل معالجة أدواتها
كما أن اعتماد الملفات التقنية يسمح ببناء قاعدة وطنية دقيقة يمكن من خلالها معرفة حجم الملف وتصنيف الحالات وتحديد الأولويات وتقدير الكلفة ووضع جدول زمني للمعالجة
والأهم من ذلك أن التسوية تصبح مبنية على معايير موضوعية لا على قدرة صاحب الملف على الوصول إلى مسؤول أو قوة احتجاجه أو قربه من مؤسسة معينة
4 رد الاعتبار ليس إجراء منفصلا
من بين القضايا التي تحتاج إلى معالجة جدية مسألة رد الاعتبار
فانتهاء العقوبة من الناحية القانونية لا يعني بالضرورة أن جميع آثارها انتهت في الحياة المدنية والمهنية والإدارية
وقد يجد بعض الأشخاص أنفسهم بعد سنوات من الإفراج ما زالوا يواجهون إجراءات أو وثائق أو عراقيل تؤثر في قدرتهم على استعادة حياتهم الطبيعية
لذلك ينبغي أن يكون رد الاعتبار جزءا من مشروع التسوية وليس مسارا منفصلا يترك صاحبه أمام إجراءات متعددة وطويلة
المطلوب هو مسار واضح يعرف فيه صاحب الملف الجهة المسؤولة والوثائق المطلوبة والآجال والقرار النهائي
كما ينبغي أن تعالج الحالات التي تطرح إشكالات قانونية خاصة ضمن تصور شامل بدل ترك أصحابها يتنقلون بين الإدارات بحثا عن حل
5 الأولوية للحالات الأكثر تضررا
ولا يمكن أن تسير جميع الحالات بالسرعة نفسها
فبين أصحاب هذا الملف كبار في السن ومرضى ومن قضوا سنوات طويلة خلف القضبان ومن فقدوا القدرة على العمل ومن ترتبت عن اعتقالهم أضرار مهنية واجتماعية استثنائية
ولهذا فإن العدالة في التسوية تقتضي اعتماد مسار استعجالي للحالات ذات الأولوية
فالإنصاف لا يعني فقط تطبيق نفس المسطرة على الجميع وإنما يعني أيضا مراعاة حجم الضرر ودرجة الاستعجال والوضع الإنساني والاجتماعي لكل حالة
6 من المطالبة إلى المشاركة في صناعة الحل
وفي هذا السياق يمكن للتنسيقية أن تنتقل من موقع نقل المطالب والشكايات إلى موقع أكثر فاعلية في بناء الحل
فالملف الوطني الذي يمكن تقديمه إلى المؤسسات المعنية ينبغي ألا يكون مجرد لائحة أسماء ومطالب عامة وإنما وثيقة تقنية متكاملة تتضمن إحصاء الحالات وتصنيف الأضرار وتحديد الحالات المستعجلة وحصر الإشكالات القانونية والإدارية والمهنية والاجتماعية واقتراح الحلول وتقدير الكلفة ووضع آجال للمعالجة
وهكذا يصبح الحوار قائما على معطيات دقيقة وحلول قابلة للتنفيذ بدل أن يبقى محصورا في دائرة المطالب العامة
7 التجربة المغربية وإمكانية بناء مقاربة جديدة
ولا يعني طرح مشروع وطني جديد البدء من الصفر
فالتجربة المغربية في مجال العدالة الانتقالية أظهرت أن معالجة آثار الانتهاكات يمكن أن تنتقل من مجرد الاعتراف بالضرر إلى آليات عملية لجبره ومعالجة بعض آثاره الإدارية والوظيفية والقانونية
والمطلوب اليوم ليس نسخ تجربة سابقة كما هي وإنما الاستفادة من الإمكانات التي توفرها تلك التجربة وبناء مقاربة تتلاءم مع طبيعة ملف قدماء المعتقلين الإسلاميين ومع التحولات التي عرفتها أوضاعهم بعد مرور سنوات طويلة على الاعتقال والإفراج
وهذا يعني الانتقال من معالجة الماضي بوصفه واقعة انتهت إلى معالجة آثاره بوصفها واقعا ما زال قائما بالنسبة إلى عدد من أصحاب الملفات
8 ثلاثة محاور تختصر جوهر التسوية
وفي جوهرها يمكن أن تقوم التسوية الشاملة على ثلاثة محاور مترابطة
أولها جبر الضرر بمختلف أبعاده المادية والمعنوية والاجتماعية والمهنية والصحية بحسب طبيعة كل حالة
وثانيها رد الاعتبار باعتباره مدخلا لإنهاء الآثار القانونية والإدارية التي ما زالت تؤثر في حياة أصحاب الملفات
وثالثها معالجة الآثار الاجتماعية والمهنية والقانونية بما يسمح باستعادة الاستقرار المدني والمهني والاجتماعي
لكن هذه المحاور لن تحقق شيئا إذا بقيت مجرد عناوين عامة ولذلك ينبغي تحويلها إلى برنامج وطني له ملفات تقنية وإحصاء دقيق وتصنيف للحالات وحلول قانونية وإدارية ومالية وآجال محددة
9 كيف نعرف أن الملف تمت تسويته
المعيار الحقيقي لأي مشروع من هذا النوع هو النتيجة
كم حالة تمت معالجة وضعيتها فعليا
كم حالة تم جبر ضررها
كم حالة تمت تسوية وضعيتها القانونية والإدارية
كم حالة تمت معالجة آثارها المهنية والاجتماعية
وكم ملفا أغلق بعد تنفيذ الحل المقرر بشأنه
هذه هي المؤشرات التي ينبغي أن تقاس بها فعالية أي مشروع
أما عدد اللقاءات وعدد الملفات المستقبلة وعدد المساعدات المقدمة فلا يمكن أن تكون وحدها دليلا على نجاح التسوية
فالملف لا ينتهي عندما يصدر قرار إداري بإغلاقه وإنما ينتهي عندما تعالج الآثار التي ما زالت قائمة في حياة صاحبه
10 المشروع الذي ينهي الملف لا المشروع الذي يديره
بعد أكثر من عقدين أصبح المطلوب واضحا
ليس المطلوب مؤسسة تحيل الملف إلى مؤسسة أخرى وليس المطلوب لقاء ينتهي بوعد جديد وليس المطلوب مساعدات ظرفية تحل جزءا محدودا من مشكلة أوسع
المطلوب مشروع وطني يبدأ بحصر الحالات وتصنيف الأضرار وفتح الملفات التقنية الفردية ثم تحديد وسائل جبر الضرر ورد الاعتبار وتسوية الآثار القانونية والإدارية والمهنية والاجتماعية وينتهي بنتيجة واضحة لكل حالة
بهذا المعنى يصبح المشروع الوطني للتسوية الشاملة ليس مجرد تصور جديد لمعالجة الملف وإنما انتقالا في طريقة التفكير فيه
فالمرحلة السابقة كانت مرحلة تدبير للآثار أما المرحلة المطلوبة اليوم فهي مرحلة تسوية
والفرق بين الاثنين أن التدبير قد يستمر سنوات دون نهاية واضحة بينما التسوية تفترض بداية محددة ومسارا معروفا وقرارات قابلة للتنفيذ ونقطة نهاية
إن الهدف ليس إبقاء ملف التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين بالمغرب مفتوحا إلى ما لا نهاية كما أن الهدف ليس دفنه أو تجاوزه دون معالجة
الهدف هو إنهاؤه على أساس جبر الضرر ورد الاعتبار ومعالجة الآثار القائمة والإنصاف بين الحالات
ومن هنا فإن المشروع الوطني للتسوية الشاملة يمكن أن يشكل إطارا عمليا للانتقال من مرحلة الانتظار إلى مرحلة التنفيذ ومن الإحالة إلى المسؤولية ومن معالجة الأعراض إلى معالجة أصل الضرر
فبعد أكثر من عقدين لم يعد المطلوب إدارة الملف
المطلوب هو تسويته
شارك المقال






















Leave a Reply