رصد المغرب / مراد مجاهد /
بعد انتخابات 2026، يبدو أن المغرب دخل مرحلة سياسية لا يقل فيها سؤال من سيشكل الحكومة أهمية عن سؤال آخر أكثر هدوءا، لكنه ربما أكثر دلالة على شكل المرحلة المقبلة، وهو من سيشكل المعارضة، وكيف ستتوزع داخل البرلمان، وهل ستكون مجرد أحزاب لم تدخل الحكومة، أم ستتحول إلى قوة مؤسساتية تعرف لماذا اختارت موقعها وماذا تريد أن تفعل به؟
فمنذ إعلان النتائج، انتقلت الأحزاب بسرعة من لحظة الانتخابات إلى لحظة المشاورات، وتكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة بعد تصدر الأصالة والمعاصرة الانتخابات بـ97 مقعدا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66، والاستقلال بـ65، والعدالة والتنمية بـ54، ثم الحركة الشعبية بـ29، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19، والاتحاد الدستوري بـ17، والحركة الديمقراطية الاجتماعية بـ8، وتحالف اليسار بـ8، وجبهة القوى الديمقراطية بمقعدين، والإنصاف بمقعدين، والديمقراطيين الجدد بمقعد واحد، والوحدة والديمقراطية بمقعد واحد، أي أمام مجلس نواب من 395 مقعدا، بكل ما يحمله هذا الرقم من إمكانات للتحالف والاختلاف وإعادة ترتيب المواقع.
وهنا بالضبط تبدأ الحكاية الحقيقية، لأن الانتخابات أفرزت الأرقام، لكنها لم تحدد وحدها شكل الأغلبية ولا شكل المعارضة، ولذلك فإن ما يجري الآن ليس مجرد مفاوضات حول الحقائب الوزارية، وإنما هو أيضا إعادة هندسة للمشهد البرلماني نفسه، بحيث بدأت الأحزاب والنواب يبحثون عن الصيغة التي ستمنحهم حضورا أكبر داخل المؤسسة التشريعية، وهذا ما يفسر مثلا لماذا أعلن الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، وهما يملكان على التوالي 17 و8 مقاعد، تشكيل فريق نيابي مشترك من 25 نائبا، استمرارا لتجربة برلمانية مشتركة سابقة، مع الحفاظ على هوية واستقلالية كل حزب، وهو أمر مهم لأنه يذكرنا بأن نتائج الانتخابات لا تعني أن كل حزب سيبقى محصورا داخل حدوده العددية الأولى، بل يمكن أن يعاد تجميع المقاعد داخل البرلمان وفق حسابات العمل النيابي.
وفي الجهة الأخرى، يقف حزب التقدم والاشتراكية بـ19 مقعدا أمام عتبة صغيرة في ظاهرها وكبيرة في معناها، إذ يحتاج إلى نائب واحد فقط لبلوغ عشرين نائبا، وهي العتبة الدنيا لتشكيل فريق نيابي، ولذلك أصبح المقعد العشرون قضية بحد ذاتها، وتداولت أخبار موثوقة أن عبد العزيز باريك، المعروف بـ«أسامة باريك»، كان من بين الأسماء التي جرى التواصل معها، لكنه رفض الالتحاق بفريق «الكتاب»، ليغلق بذلك بابا كان يمكن أن يمنح الحزب العدد المطلوب لتشكيل فريق مستقل.
وقد يبدو الأمر لأول وهلة مجرد تفصيل تنظيمي، لكن السياسة أحيانا تختبئ في التفاصيل الصغيرة، لأن نائبا واحدا هنا لا يعني مجرد رقم إضافي، بل يعني فريقا نيابيا مستقلا أو عدمه، وحضورا تنظيميا مختلفا داخل المؤسسة، وهو ما يجعلنا نفهم لماذا أصبحت المقاعد البرلمانية بعد الانتخابات قابلة لأن تكون لها قيمة تتجاوز ترتيب الحزب في النتائج.
ثم جاء أسامة باريك نفسه ليظهر في صيغة أخرى، بعدما انضم إلى مجموعة نيابية مشتركة من ستة نواب تحمل اسم «الخيار الديمقراطي»، تضم نائبين عن جبهة القوى الديمقراطية، ونائبين عن حزب الإنصاف، ونائبا عن حزب الديمقراطيين الجدد، ونائبا عن حزب الوحدة والديمقراطية، وهي مجموعة قالت في بلاغها إنها تريد تنسيق العمل البرلماني وتطوير الحضور التشريعي والرقابي والترافعي داخل المجلس.
والأهم بالنسبة إلى سؤال المعارضة أن باريك نفسه، وفق التصريح المتداول الذي أشرنا إليه، تحدث عن تموقعه في المعارضة، وهذه نقطة ينبغي تسجيلها كما هي: موقف نائب أعلن تموقعه في المعارضة، وليس إعلانا جماعيا بأن الأحزاب الأربعة كلها اختارت المعارضة، لأن تشكيل مجموعة نيابية شيء، والتموقع السياسي شيء آخر، وهذه الدقة ليست ترفا في الكتابة السياسية، بل هي التي تفصل بين الخبر والتحليل وبين المعلومة والاستنتاج.
ومع ذلك فإن وجود هذه المجموعة الجديدة يضيف رقما مهما إلى الحساب، لأننا إذا افترضنا، فقط على سبيل الحساب السياسي، أن نوابها الستة انتهوا جميعا إلى موقع المعارضة، فإن العدالة والتنمية بـ54 وتحالف اليسار بـ8 والمجموعة الجديدة بـ6 يصبحون 68 نائبا، أي أن المعارضة المفترضة تكون قد قطعت جزءا مهما من الطريق، لكنها لا تكون قد بلغت بعد العتبة الدستورية الأهم التي بدأنا نتحدث عنها، وهي ملتمس الرقابة.
وهنا أعتقد أن علينا أن نضع جانبا الحديث السابق عن لجنة تقصي الحقائق باعتبارها الأداة الأساسية في هذا النقاش، لأن الأداة التي تعنينا عندما نتحدث عن مواجهة سياسية مباشرة مع الحكومة هي ملتمس الرقابة المنصوص عليه في الفصل 105 من الدستور، فالنظام الداخلي لمجلس النواب يوضح أن ملتمس الرقابة لا يقبل إلا إذا وقعه على الأقل خمس أعضاء المجلس، أي 79 نائبا من أصل 395، أما الموافقة عليه فتحتاج إلى الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس، أي 198 صوتا، وإذا تمت الموافقة عليه تترتب عنه استقالة الحكومة استقالة جماعية.
وهنا يصبح الحساب مثيرا للاهتمام، لأن 54 نائبا للعدالة والتنمية زائد 8 لتحالف اليسار تعطي 62 فقط، وإذا أضفنا إليهم الستة في المجموعة الجديدة، بشرط أن يكون تموقعها معارضا فعلا، نصل إلى 68، أي نبقى أمام أحد عشر نائبا فقط لبلوغ عتبة تقديم ملتمس الرقابة، لا عتبة إسقاط الحكومة، وهذه نقطة يجب ألا تضيع وسط الحسابات، لأن توقيع ملتمس الرقابة شيء، وتمريره شيء آخر، ومن السهل جدا في النقاش السياسي أن تختلط العتبتان وكأن الوصول إلى 79 يعني إسقاط الحكومة، بينما الواقع أن 79 تفتح الباب لتقديم الملتمس، في حين أن إسقاط الحكومة يحتاج إلى 198 صوتا مؤيدا له.
وهنا تظهر قيمة الأحزاب التي تبدو في الحساب الأولي وكأنها تقف على الهامش، لأن أحد عشر نائبا فقط قد يكونون الفاصل بين معارضة لا تستطيع بلوغ عتبة الملتمس ومعارضة تستطيع الوصول إليها، وهذا يجعل كل مجموعة وكل فريق وكل حزب وكل نائب قابلا لأن يصبح رقماً مهما في لحظة معينة، لا لأن حجمه كبير بالضرورة، وإنما لأن النصاب الدستوري يجعل للأرقام الصغيرة وزنا كبيرا.
ولعل المثال الأكثر وضوحا الآن هو التقدم والاشتراكية نفسه، صاحب 19 مقعدا، لأن الحزب لم يحسم إلى حدود اليوم موقعه النهائي، بل حدد يوم الثلاثاء 6 أكتوبر موعدا لدورة استثنائية للجنة المركزية من أجل التداول في المشاورات الحكومية والحسم في موقفه من المشاركة، بعد أن كان محمد نبيل بنعبد الله قد تحدث عقب لقائه بالمنصوري عن وجود تقاطعات بين برنامجي الحزبين.
وإذا اختار «الكتاب» المعارضة، فإن 54 مقعدا للعدالة والتنمية و8 لتحالف اليسار و19 للتقدم والاشتراكية تعني 81 نائبا، أي تجاوز عتبة 79 بمقعدين حتى قبل أن نضيف المجموعة الجديدة ذات الستة نواب، وعندها يصبح الحساب مختلفا تماما، وإذا انضمت المجموعة الجديدة أيضا إلى هذا التنسيق الافتراضي، يصبح الرقم 87، وهو ما يجعل قصة المقعد العشرين التي رفض باريك أن يمنحه للتقدم والاشتراكية قصة مختلفة في دلالتها عن مجرد خلاف تنظيمي، لأن كل مقعد يمكن أن يتحول في لحظة معينة إلى جزء من معادلة سياسية أوسع.
لكن علينا في الوقت نفسه ألا نسبق الحزب إلى قراره، فلا التقدم والاشتراكية أعلن رسميا إلى الآن أنه في المعارضة، ولا يجوز أن نحول احتمالا إلى حقيقة لمجرد أن الحساب يعجبنا؛ فاللجنة المركزية هي التي ستقول كلمتها، وعندها فقط يمكن أن نعيد رسم الرقم. وهذا بالضبط ما يجعل المعارضة المقبلة قابلة لأن تكون موضوعا سياسيا قائما بذاته، لا مجرد نتيجة تلقائية لعدم دخول بعض الأحزاب إلى الحكومة.
فالعدالة والتنمية حسم موقعه في المعارضة، وتحالف اليسار حسم بدوره موقعه، بينما التقدم والاشتراكية ما زال يفاوض، والحركة الشعبية فوضت أمينها العام محمد أوزين مواصلة المشاورات واتخاذ القرار الملائم بشأن تموقع الحزب، مع ربط أي تموقع بقدرته على لعب دور مؤثر وفاعل، والاتحاد الاشتراكي فوض بدوره إدريس لشكر ومصطفى عجاب مواصلة المفاوضات مع المنصوري، فيما فوض الاتحاد الدستوري أمينه العام محمد جودار قيادة المشاورات ومنحه صلاحيات تدبيرها، وهي كلها مؤشرات تقول إن عددا من الأحزاب لم يعلن بعد موقعه النهائي بصورة قاطعة.
أما حزب الاستقلال فقد حسم، بحسب مخرجات مجلسه الوطني الاستثنائي، في اتجاه المشاركة في الحكومة، مع تفويض نزار بركة مواصلة المشاورات، بينما أعلن التجمع الوطني للأحرار استعداده للمشاركة وفوض محمد شوكي تدبير هذا الملف، وهو ما يعني أن الحديث عن «المعارضة» يجب أن يبقى مرتبطا بما صدر فعلا عن المؤسسات الحزبية، لا بما يتردد في الصالونات السياسية أو على صفحات التواصل الاجتماعي.
وحتى قصة التجمع الوطني للأحرار نفسها تقدم لنا درسا صغيرا في سرعة تغير الطبخ السياسي، فقد راجت في الثالث من أكتوبر معطيات عن قرار من داخل الأصالة والمعاصرة برفض مشاركة الأحرار، ونقلت تصريحات في هذا الاتجاه، ثم جرى تصحيح المعطى والتأكيد على أن القرار الرسمي لم يكن قد حسم إغلاق باب التفاوض، بينما ظل الأحرار معلنا استعداده للمشاركة ومفوضا شوكي تدبير المفاوضات، وهو ما جعل النقاش ينتقل سريعا من سؤال «هل سيدخل الأحرار؟» إلى سؤال «كيف يمكن أن تكون مشاركته؟».
وهذه ليست مسألة صغيرة، لأنها تعيدنا إلى أصل الفكرة التي قالها عبد الرحيم بوعيدة بسخريته، وهي أن مطبخ الحكومة مفتوح، والطبخ فيه يتغير بحسب المعطيات والمفاوضات، لكن ما لا ينبغي أن نغفله هو أن هناك مطبخا آخر يجري في الجهة المقابلة من البرلمان، حيث يعاد ترتيب المعارضة والفرق والمجموعات ومواقع المسؤولية.
فالفريق المشترك بين الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، مثلاً، يضم 25 نائبا، لكنه لم يعلن أن مجرد تشكيله يعني أنه في المعارضة، بل إن البلاغ الجديد ترك موقعه السياسي مفتوحا، وهو ما يجعلنا أمام مثال واضح على الفرق بين الفريق البرلماني والتحالف السياسي، فقد يتفق حزبان على العمل داخل فريق واحد، لكنهما يتركان لنفسيهما هامش الحركة في المواقف السياسية، كما أن المجموعة النيابية الجديدة ذات الستة نواب ليست بمجرد تشكيلها معارضة تلقائيا، وإن كان تصريح أحد مكوناتها، أسامة باريك، قد أعطى إشارة واضحة إلى تموقعه الشخصي.
وهنا تظهر قيمة النظام الداخلي لمجلس النواب، لأن المعارضة لا تحصل على حقوقها بمجرد أن تقول في تصريح صحافي «نحن معارضة»، وإنما هناك مسطرة تنظيمية، إذ تنص المادة 5 على أن رئيس الفريق أو المجموعة النيابية، أو النائب غير المنتسب الذي اختار المعارضة، يشعر رئيس مجلس النواب بذلك كتابة، ويعلن عن هذا الإشعار في الجلسة العمومية الموالية.
كما أن للمعارضة حقوقا مؤسساتية واضحة، من بينها رئاسة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات، ورئاسة لجنة دائمة أخرى على الأقل، مع أولوية لجنة مراقبة المالية العامة والحكامة إذا قدمت المعارضة ترشيحها، إضافة إلى حضورها في مكتب المجلس ومكاتب اللجان وفق قواعد التمثيلية، وهذا يعني أن موقع المعارضة ليس مجرد جلوس في الصف المقابل للحكومة، وإنما له أثر فعلي في كيفية اشتغال المؤسسة التشريعية.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يهم المواطن، ليس فقط من دخل الحكومة؟ بل أيضا من سيقود المعارضة؟ ومن سيتحمل مسؤولية تنسيقها؟ ومن سيعرف كيف يحول اختلاف المرجعيات إلى تنسيق في الملفات التي تستحق التنسيق؟
لأن المعارضة لا تحتاج إلى أن تصبح حزبا واحدا، ولا إلى أن تتخلى الأحزاب عن هوياتها وبرامجها، وإنما تحتاج إلى أن تعرف متى يمكن أن تلتقي حول قضية عمومية أو أداة رقابية أو مبادرة تشريعية، ومتى يكون الاختلاف طبيعياً ومشروعا، وهذا هو الفارق بين معارضة عددية ومعارضة مؤسساتية، لأن الأولى تجمع المقاعد، والثانية تعرف كيف تستعملها.
وهنا نصل إلى مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي لجنة تقصي الحقائق، ولكن هذه المرة في مكانها الصحيح داخل المقال لا باعتبارها بديلاً عن ملتمس الرقابة؛ فالدستور والنظام الداخلي يتيحان تشكيل لجان نيابية مؤقتة لتقصي الحقائق بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب، أي 132 نائبا من أصل 395، وهي أداة رقابية مختلفة تماما عن ملتمس الرقابة، ولا ينبغي الخلط بينهما.
وإذا افترضنا، مرة أخرى، أن التجمع الوطني للأحرار بقي خارج الحكومة وانضم إلى المعارضة، فإن 66 مقعداً للأحرار مع 54 للعدالة والتنمية و8 لتحالف اليسار تعطي 128 نائبا، أي أقل بأربعة نواب فقط من عتبة 132 اللازمة لطلب لجنة تقصي الحقائق، وهذا يوضح كيف يمكن لأربعة نواب فقط من خارج هذا التجمع الافتراضي أن يغيروا الوضع القانوني للمبادرة، بينما لو أضيفت المجموعة الجديدة ذات الستة نواب إلى هذا الحساب أصبح الرقم 134، أي تجاوز العتبة، لكن هذا كله يظل افتراضا حسابيا لا موقفا سياسيا، لأن الأحرار أعلنوا استعدادهم للمشاركة في الحكومة، ولأن موقع المجموعة الجديدة لم يحسم جماعياً.
وهذه هي بالضبط قيمة الحساب السياسي عندما يكون منضبطا، فإنه لا يقول لنا ماذا سيحدث، وإنما يوضح لنا ماذا يمكن أن يحدث إذا تغيرت المواقع.
أما الحديث عن الحضور البرلماني نفسه، فهو موضوع لا يقل أهمية عن النصاب، لأن البرلمان ليس مجرد 395 اسما مطبوعا في لوائح النتائج، بل 395 نائبا يفترض أن يحضروا ويشاركوا ويصوتوا ويستعملوا الأدوات التي منحهم الدستور والنظام الداخلي إياها، والنظام الداخلي ينظم الحضور والغياب، والتصويت حق شخصي للنائب، ولذلك فإن صورة القاعة في لحظة التصويت تصبح جزءا من السياسة نفسها.
لا يعني هذا أن حضور مائة أو مائة وعشرين نائبا يجعل كل تصويت باطلا، فالأمر يتوقف على طبيعة التصويت والنصاب المطلوب قانونا، لكن عندما نتحدث عن أغلبية دستورية محددة، يصبح حضور النواب وانضباطهم أمرا لا يمكن اعتباره تفصيلا ثانويا.
وهذا يقودنا إلى سؤال ربما يكون أكثر إزعاجا من سؤال التحالفات، وهو ماذا تفعل المعارضة إذا كانت أرقامها موجودة على الورق، بينما مقاعدها فارغة في لحظة تحتاج فيها إلى التصويت؟ وماذا تفعل الأغلبية نفسها إذا كانت تعتمد على نواب لا يحضرون عندما تبدأ لحظة الحساب؟
إن البرلمان لا يعمل بالهاتف ولا بالتصريحات ولا بعدد النواب الذين فازوا في ليلة الانتخابات، بل بمن يدخل القاعة ويجلس ويصوت ويتحمل مسؤوليته أمام المواطنين.
وربما يكون وجود معارضة أكثر يقظة سببا سياسيا يدفع الجميع إلى التعامل مع الحضور البرلماني بجدية أكبر، لأن النائب الذي يعرف أن موقفه سيقرأ ويناقش ويحاسب عليه لن يكون وجوده داخل القبة مجرد رقم في سجل الحضور.
وفي الجهة الأخرى، فإن الحكومة المقبلة، مهما كانت تركيبتها، لن تستطيع أن تقيس نجاحها بعدد الأحزاب التي جلست معها حول الطاولة، لأن المواطن لن يسأل بعد أشهر طويلة من المشاورات من أخذ هذه الحقيبة أو تلك، وإنما سيسأل عن الأسعار والقدرة الشرائية والشغل والصحة والتعليم والخدمات العمومية، وعن الوعود التي قطعت في الحملة الانتخابية، وهل تحولت إلى سياسات وقرارات ونتائج أم بقيت في دفتر الشعارات.
وهنا أيضاً ينبغي أن نقرأ الأرقام الانتخابية بعين أخرى، وهي أن الأصالة والمعاصرة تصدر بـ97 مقعدا، لكنه لا يملك الأغلبية المطلقة، الأحرار حصلوا على 66 والاستقلال على 65، وهما رقمان ثقيلان في أي حساب حكومي أو برلماني، العدالة والتنمية عاد بـ54 واختار المعارضة، الاتحاد الاشتراكي يملك 26 وينخرط في المشاورات، التقدم والاشتراكية يملك 19 ويقف على بعد ساعات من حسم موقعه، الحركة الشعبية تملك 29 وفوضت أوزين تقرير تموقعها، الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية جمعا 25 نائبا في فريق مشترك، وتحالف اليسار يملك 8، ثم جاءت مجموعة الستة التي أعادت إلى الواجهة سؤال دور الأحزاب الصغيرة والنواب المستقلين تنظيميا في إعادة تشكيل الخريطة البرلمانية.
هذه ليست مجرد أرقام متناثرة، وإنما خريطة تتحرك كلما تحرك موقف حزب أو نائب، ولذلك فإن الحكومة قد تتشكل بأغلبية واسعة، لكن المعارضة يمكن أيضاً أن تعيد تشكيل نفسها خارج منطق «الحزب الكبير مقابل الحزب الكبير»، عبر فرق ومجموعات وتنسيقات موضوعاتية، وقد يصبح حزب صغير أو مجموعة من ستة نواب ذا وزن أكبر في ملف محدد من وزنه العددي العام.
ومن هنا أجد أن السؤال الذي طرحته انتخابات 2026، لم يعد فقط من ربح الانتخابات؟ فهذا السؤال أجابت عنه صناديق الاقتراع، وإنما أصبح ماذا سيفعل الفائزون بالمقاعد التي حصلوا عليها؟ هل سيحولونها إلى مسؤولية؟ هل سيحولها من اختار الحكومة إلى قدرة على تنفيذ الوعود؟ وهل سيحولها من اختار المعارضة إلى رقابة حقيقية؟ وهل سيتعامل البرلمان مع 395 نائبا باعتبارهم 395 مسؤولية، أم سنعود إلى المشهد الذي تكون فيه المقاعد ممتلئة على الورق وفارغة في القاعة عندما تحين لحظة الحقيقة؟
لذلك لا أعتقد أننا في حاجة إلى البحث عن «أسرار» مطبخ الحكومة، ولا إلى اتهام هذا الحزب بأنه يطبخ في الظلام أو ذاك بأنه يناور من وراء الستار، فالمواقف المعلنة والأرقام المنشورة تكفي، وما لم يحسم بعد سيحسمه القرار الحزبي والمشاورات، لكن ما أصبح واضحا هو أن الحكومة ليست وحدها التي يجري طبخها بعد انتخابات 2026، فالمعارضة أيضا تعاد هندستها، والفرق البرلمانية يعاد تركيبها، والمقاعد الصغيرة تعاد قراءة وزنها، والعتبات الدستورية تعطي للأرقام معنى جديدا، ومقعد واحد قد يغير شكل فريق، وأحد عشر نائبا قد تفصل بين 68 و79، ونائبان فقط قد يفصلان بين 79 و81، وأربعة نواب قد يغيرون حساب 128 إلى 132، وكل ذلك قبل أن تبدأ الولاية فعليا في اختبار ما إذا كانت هذه الأرقام ستتحول إلى ممارسة سياسية أم ستبقى مجرد حسابات على الورق.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم هو من جلس إلى جانب فاطمة الزهراء المنصوري حول طاولة المشاورات، ولا من حصل على الحقيبة الأكبر، ولا حتى من اختار المعارضة، وإنما من سيحسن استعمال الموقع الذي اختاره، لأن الحكومة ستحاسب على ما ستفعله، والمعارضة ستحاسب أيضا على ما ستفعله أو لا تفعله، والبرلمان كله سيبقى أمام المواطن شاهدا على مرحلة جديدة لا يكفي فيها أن نعرف عدد المقاعد، بل يجب أن نعرف ماذا فُعل بهذه المقاعد.
وهنا، بعد أن تهدأ حرارة المشاورات وتغلق أبواب المطابخ السياسية، سيبقى سؤال واحد لا يحتاج إلى 79 توقيعا ولا إلى 198 صوتا ولا إلى لجنة ولا إلى فريق ولا إلى مجموعة نيابية، وهو ماذا فعلتم بالمقاعد التي منحناكم إياها؟
شارك المقال





















Leave a Reply