رصد المغرب / عبد العالي بريك /
أثارت معطيات تداولتها منابر إعلامية مغربية، يومي 13 و14 أكتوبر الجاري، بشأن توجيه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت مذكرة مستعجلة إلى الولاة والعمال ومسؤولي الأجهزة الأمنية، بهدف تعزيز اليقظة وتتبع الاحتجاجات الاجتماعية بمختلف مناطق المملكة، جملة من التساؤلات حول حقيقة هذه التوجيهات وخلفيات تداولها في هذا التوقيت بالذات.
ووفق ما نشرته بعض المواقع الإلكترونية، فإن المذكرة المزعومة تدعو إلى رصد التحركات الاحتجاجية المرتبطة بالتشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية وظروف العيش، فضلا عن متابعة الدعوات إلى الاحتجاج المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مع التشديد على التواصل مع المواطنين والعمل على احتواء أسباب التوتر الاجتماعي.
غير أن السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يتعلق الأمر فعلا بمذكرة رسمية صادرة عن وزير الداخلية، أم أننا أمام معطيات إعلامية لم يتم الكشف عن سندها الرسمي، بما يفتح الباب أمام التأويلات والتساؤلات؟ أين الوثيقة الرسمية؟
إلى حدود إعداد هذه المادة، لم نتمكن من التحقق بشكل مستقل من نسخة رسمية للمذكرة المتداولة، كما لا يكفي تكرار الخبر في عدد من المنابر الإعلامية وحده لإثبات صدوره عن وزارة الداخلية.
ومن هنا، تبرز أهمية توضيح رسمي يحدد حقيقة هذه التوجيهات، وطبيعتها، والأهداف التي ترمي إليها، بدل ترك المجال مفتوحا أمام الأخبار المتداولة والتفسيرات المتباينة.
فإذا ثبتت صحة المذكرة، فإن ذلك يطرح سؤالا مشروعا حول المؤشرات الميدانية والاجتماعية التي استدعت هذه اليقظة، ومدى ارتباطها بحجم المطالب الاجتماعية المتداولة في الفضاء الرقمي، ولا سيما تلك المتعلقة بفرص الشغل وجودة الخدمات الصحية والتعليمية وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار المحروقات.
أما إذا لم يثبت صدور المذكرة، فسيكون من الضروري البحث في مصدر هذه المعطيات، وكيف جرى تداولها، ولماذا نسبت إلى وزير الداخلية بهذه الصيغة.
هل تعكس مواقع التواصل نبض الشارع؟
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد فضاء لتبادل الآراء، بل أصبحت مجالا لتداول المطالب الاجتماعية، والتعبير عن الغضب من الأوضاع المعيشية، والدعوة إلى الوقفات والمسيرات الاحتجاجية.
لكن هل يكفي انتشار منشورات غاضبة أو تداول دعوات للاحتجاج للقول إن الشارع المغربي يتجه نحو موجة جديدة من الاحتجاجات؟ أم أن الأمر يتطلب قراءة أوسع تشمل حجم المشاركة الفعلية، وطبيعة المطالب، ومدى امتدادها الجغرافي، واستجابة المؤسسات لها؟
إن قياس مستوى الاحتقان الاجتماعي لا يمكن أن يستند إلى التفاعلات الرقمية وحدها، كما لا يمكن تجاهل ما تكشفه من نقاشات ومطالب تستحق الإنصات والمعالجة.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحا هو: هل ستظل هذه المطالب حبيسة الشاشات، أم ستتحول إلى وقفات ومسيرات سلمية في عدد من المدن والمناطق؟ لا توجد، في غياب معطيات ميدانية موثوقة، إجابة حاسمة عن هذا الاحتمال، لكن معالجة أسباب الاستياء تظل أهم من الاكتفاء برصد مظاهره.
بين اليقظة الأمنية والإنصات للمطالب الاجتماعية
إن متابعة الأوضاع الاجتماعية والاستعداد للتعامل مع التطورات الميدانية يدخلان ضمن مسؤوليات المؤسسات المعنية، غير أن اليقظة لا ينبغي أن تنحصر في الجانب الأمني، بل يفترض أن تقترن بإنصات حقيقي للمواطنين، وتسريع معالجة الملفات الاجتماعية، وتوضيح ما يمكن تنفيذه من مطالب وما يتعذر تنفيذه، مع بيان الأسباب.
فالمواطن الذي يطالب بفرصة عمل، أو بخدمات صحية تحفظ كرامته، أو بمدرسة عمومية ذات جودة، أو بقدرة شرائية تحمي أسرته من ضغوط الغلاء، لا يحتاج فقط إلى رصد مطالبه، بل يحتاج أيضا إلى أجوبة عملية ونتائج ملموسة.
كما أن الاحتجاج السلمي يظل وسيلة للتعبير عن المطالب في إطار القانون، وينبغي التعامل مع أسبابه بقدر من المسؤولية والشفافية، مع التمييز بين التعبير السلمي عن الرأي وأي أفعال مخالفة للقانون.
هل نحن أمام اختبار لنبض الشارع؟
إذا كانت المذكرة المتداولة صحيحة، فإن من المشروع التساؤل عما إذا كانت تعكس استعدادا مؤسساتيا استباقيا لمواجهة تطورات اجتماعية محتملة، أم أنها إجراء اعتيادي لمتابعة الأوضاع الميدانية. ولا يمكن الجزم بأي من التفسيرين من دون الاطلاع على الوثيقة وسياقها.
أما إذا لم تكن المذكرة موجودة أصلا، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحا: من يقف وراء نشر هذه المعطيات، وما مصدرها، وهل جرى تداولها بناء على معلومات موثوقة أم أنها مجرد تقديرات أو تأويلات إعلامية؟
وفي جميع الحالات، لا يجوز اعتبار الخبر دليلا على وجود خطة لاختبار الشارع أو دفع المواطنين إلى الاحتجاج، ما لم تظهر أدلة موثوقة تثبت ذلك. غير أن تداول خبر بهذه الحساسية يبرز الحاجة إلى تواصل رسمي واضح يقطع الطريق أمام الشائعات والتأويلات.
إن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى الجميع هي أن معالجة الاحتقان الاجتماعي تبدأ بالاعتراف بالمشكلات والإنصات إلى أصحابها، لا بالاكتفاء بمراقبة مؤشرات الغضب. فالثقة تبنى بالشفافية والعدالة الاجتماعية وتحسين الخدمات العمومية، وبإيجاد أجوبة ملموسة عن أسئلة الشغل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية.
ويبقى السؤال مفتوحا أمام وزارة الداخلية والرأي العام: هل ستكشف حقيقة المذكرة المتداولة، أم سيظل المغاربة أمام خبر تتناقله المنابر من دون وثيقة رسمية تحسم الجدل؟
شارك المقال























Leave a Reply