العدالة والتنمية وتحالف اليسار: تقاطع المعارضة وحدود التحالف

رصد المغرب /


وحدة الموقع في المعارضة لا تعني وحدة المشروع السياسي؛ لكنها قد تفتح المجال لتنسيق ديمقراطي يختبر قدرة الإسلاميين واليسار على التعاون دون إنكار تناقضاتهم.

هل يستطيع حزب العدالة والتنمية، بمرجعيته الإسلامية، أن ينسق مع تحالف اليسار داخل المعارضة؟ لا يتعلق السؤال بإمكان التقارب التكتيكي، بل بحدود التعاون بين مشروعين يختلفان في تصور الدولة والاقتصاد والمجتمع والحريات، ويلتقيان، نظرياً على الأقل، في بعض رهانات الإصلاح ومراقبة السلطة.

تقدم تجربة التنسيق الميداني بين جماعة العدل والإحسان وأطراف من اليسار الراديكالي المغربي سابقة دالة على إمكان التقاطع بين مرجعيات متباينة. فقد أتاح الاشتغال حول مطالب سياسية واجتماعية مشتركة مساحات للتعاون، من دون أن يتحول إلى تحالف إيديولوجي مستقر. غير أن نقل هذه التجربة إلى البرلمان يظل أكثر تعقيداً، لأن التنسيق التشريعي يفرض مواقف محددة من القوانين والسياسات العمومية والإصلاح المؤسساتي، لا مجرد الالتقاء في الاحتجاج.

اقتصادياً، يصعب على اليسار تجاوز حصيلة تجربة العدالة والتنمية الحكومية بين 2011 و2021، التي شهدت إصلاحات واختيارات ليبرالية، من بينها تحرير أسعار المحروقات وإصلاح نظام التقاعد واعتماد التوظيف بالتعاقد في التعليم، بينما استمرت الاختلالات البنيوية في الخدمات العمومية. وفي المقابل، يطرح اليسار تصوراً يجعل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية مسؤولية أساسية للدولة، ويضع تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية في صلب مشروعه. لذلك، فإن التقارب لا يمكن أن يقوم على تجاهل الحصيلة الحكومية للحزب الإسلامي، بل يقتضي مساءلتها عن آثارها الاجتماعية ومدى انسجامها مع شعارات الإنصاف.

ويبلغ الاختلاف عمقه في طبيعة السلطة والحريات. فالملكية البرلمانية وتوسيع المسؤولية السياسية للحكومة من مطالب قطاعات يسارية، بينما لم تُفضِ تجربة العدالة والتنمية في الحكم إلى تحول جوهري في توزيع السلطة. كما تتباين المرجعيتان في قضايا المساواة بين الجنسين والحريات الفردية وحرية الضمير. وهي خلافات لا يمكن اختزالها في اختلافات خطابية، لأنها تمس جوهر المشروع المجتمعي لكل طرف.

وتظل مواقف قيادة العدالة والتنمية من حراك الريف، وتوقيع أمينه العام السابق سعد الدين العثماني، بصفته رئيساً للحكومة، الإعلان الثلاثي المرتبط باستئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية في دجنبر 2020، من أبرز محطات مساءلة الحزب بشأن العلاقة بين خطابه وممارسته. وبالنسبة إلى يسار يجعل مناهضة التطبيع والدفاع عن الحقوق جزءاً من هويته السياسية، فإن تجاوز هذه المحطات من دون مراجعة ونقاش لن يؤسس ثقة متبادلة.

لكن الاختلاف لا يفرض القطيعة. فمحاربة الفساد، وحماية المال العام، ومراقبة الحكومة، وتعزيز الشفافية، والدفاع عن نزاهة الانتخابات واستقلال القضاء، ملفات يمكن أن تشكل أرضية لتنسيق برلماني محدود وواضح. كما أن النزاهة الشخصية التي يتحلى بها عدد من منتخبي العدالة والتنمية تستحق التقدير، وإن كانت لا تكفي وحدها لتجاوز الخلافات المتعلقة بالاختيارات الاقتصادية والدستورية والحقوقية.

وعليه، فإن الصيغة الأكثر واقعية ليست تحالفاً إيديولوجياً بين الإسلاميين واليسار، بل تنسيقاً موضوعاتياً يحدد مجالات الاتفاق وحدود الاختلاف، ويترجم مواقفه إلى مبادرات تشريعية ورقابية قابلة للتقييم. فالتعاون الديمقراطي لا يشترط تطابق المشاريع، لكنه يستلزم وضوح الالتزامات واستعداد كل طرف لمساءلة نفسه قبل مساءلة خصومه.

الخلاصة أن العدالة والتنمية وتحالف اليسار قد يلتقيان في معارضة الحكومة، من دون أن يلتقيا في تصور الدولة والمجتمع.** والاختبار الحقيقي ليس في إعلان التقارب، بل في قدرة الطرفين على تحويله إلى عمل سياسي مشترك، من دون التضحية بالمبادئ أو الاحتماء بالاختلافات لتبرير العجز عن التعاون.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *