رصد المغرب / عبدالصمد الشرادي
أثار قرار المفوضية الأوروبية القاضي بحظر شركة “إير إكسبرس ألجيريا” وإدراجها ضمن القائمة السوداء لشركات الطيران غير المسموح لها بالعمل داخل المجال الجوي الأوروبي، موجة من التساؤلات حول واقع قطاع الطيران المدني في الجزائر ومدى التزامه بمعايير السلامة الدولية. حيث يأتي هذا القرار في وقت تواصل فيه السلطات الجزائرية الترويج لخطاب سياسي يركز على صورة البلاد باعتبارها “قوة إقليمية ضاربة” تمتلك إمكانات كبيرة ومكانة مؤثرة في محيطها الإقليمي.
غير أن التقارير الصادرة عن الهيئات الدولية المختصة في مجال الطيران تكشف عن صورة مختلفة، حيث تشير إلى وجود اختلالات ونقائص في تطبيق معايير السلامة والرقابة الفنية المطلوبة دوليا. حيث يعكس قرار الحظر الأوروبي مستوى القلق الذي تبديه الجهات التنظيمية بشأن قدرة الشركة المعنية على الوفاء بالمتطلبات التقنية والإجرائية الضرورية لضمان سلامة الرحلات الجوية.
وتعد سلامة الطيران من أكثر المجالات حساسية في العالم، إذ لا تخضع للاعتبارات السياسية أو الدعائية، بل تعتمد على معايير دقيقة تشمل الصيانة الدورية للطائرات، وتأهيل الأطقم الفنية، وكفاءة أنظمة الرقابة والتفتيش، فضلا عن التزام السلطات الوطنية المختصة بمتابعة تطبيق هذه المعايير بصورة مستمرة. ولذلك فإن أي خلل في هذه المنظومة ينعكس مباشرة على تقييم الشركات والدول من قبل المؤسسات الدولية المختصة.
ويبرز التناقض بشكل واضح بين الخطاب الرسمي الذي يقدم صورة عن دولة قوية وقادرة على لعب أدوار إقليمية كبرى، وبين واقع بعض القطاعات الاستراتيجية التي ما تزال تواجه تحديات هيكلية وتنظيمية. فالقوة الحقيقية للدول لا تقاس فقط بالشعارات السياسية أو الخطابات الإعلامية، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات فعالة، وضمان جودة الخدمات الأساسية، واحترام المعايير الدولية في القطاعات الحيوية.
إن قرار المفوضية الأوروبية لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد إجراء إداري يخص شركة طيران بعينها، بل باعتباره مؤشرا على وجود مشكلات أعمق تستدعي المراجعة والتقييم. لأن تعزيز مكانة أي دولة على الساحة الدولية يمر عبر إصلاحات حقيقية ترفع من مستوى الكفاءة والشفافية والالتزام بالمعايير العالمية، لا عبر الاكتفاء بصناعة صورة إعلامية قد تصطدم بالواقع عند أول اختبار دولي.
خلاصة كل ذلك، يكشف ملف “إير إكسبرس ألجيريا” عن فجوة بين الخطاب السياسي والواقع المؤسسي، ويؤكد أن التحدي الحقيقي أمام الدول الساعية إلى تعزيز نفوذها ومكانتها يكمن في بناء منظومات قادرة على تحقيق النتائج واحترام المعايير الدولية، لأن المصداقية الدولية تكتسب بالإنجازات الملموسة لا بالشعارات وحدها.
شارك المقال























Leave a Reply