حين يصبح المونديال مرآة لصورة الدول

رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح 

لم يعد تنظيم كأس العالم مجرد تحد لوجستي أو رياضي، بل تحول إلى اختبار عالمي لقدرة الدول على تقديم نفسها باعتبارها فضاءات للترحيب والانفتاح والاحترام المتبادل. فخلال أسابيع قليلة من البطولة، تتشكل لدى ملايين الزوار والمشاهدين انطباعات قد تستمر لعقود، وتصبح البطولة بمثابة شهادة تاريخية على صورة البلد المضيف وقيمه.

في هذا السياق، نجح مونديال قطر 2022 في إحداث تحول مهم في نظرة كثير من الشعوب إلى العالم العربي. فبعد سنوات طويلة من الصور النمطية التي ربطت المنطقة بالصراعات والتخلف وعدم الاستقرار، وجد ملايين الزوار أنفسهم أمام تجربة مختلفة تقوم على الضيافة والأمن وسهولة التنقل والتواصل الثقافي. والأهم من ذلك أن قطر لم تكتف بتنظيم حدث رياضي ناجح، بل سعت إلى تقديم نموذج ثقافي عربي وإسلامي حاول أن يفرض حضوره داخل فضاء عالمي اعتاد هيمنة التصورات الغربية.

لقد حمل المونديال القطري رسائل رمزية عديدة، من إبراز الثقافة العربية والإسلامية، إلى الاحتفاء بالهوية المحلية، إلى إظهار قدرة دولة عربية صغيرة على تنظيم أكبر حدث رياضي في العالم بكفاءة عالية. ولهذا السبب ينظر كثيرون إلى مونديال قطر باعتباره لحظة فارقة في تاريخ القوة الناعمة العربية.

في المقابل، بدأت تبرز تساؤلات وانتقادات مرتبطة بالتحضيرات للمونديال الذي تستضيفه الولايات المتحدة، خاصة بعد الجدل الذي رافق بعض إجراءات الهجرة والتأشيرات، وما أثير بشأن استجواب أو منع بعض الشخصيات الرياضية من دخول الأراضي الأمريكية. ورغم أن لكل دولة الحق السيادي في تطبيق قوانينها الأمنية والهجرية، فإن الإشكال يظهر عندما تتعارض هذه الإجراءات مع الروح العالمية التي يفترض أن تجسدها بطولة تجمع شعوب الأرض على أساس المساواة والاحترام.

فالنجاح الحقيقي لأي مونديال لا يقاس فقط بجودة الملاعب أو حجم الاستثمارات، بل أيضا بمدى شعور الضيوف بأنهم مرحب بهم بغض النظر عن جنسياتهم أو أديانهم أو خلفياتهم الثقافية. وعندما يشعر بعض الزوار أو المشاركين بأنهم موضع شك أو تمييز أو معاملة استثنائية، فإن ذلك ينعكس سلبا على صورة البلد المضيف مهما بلغت قوته الاقتصادية أو السياسية.

ومن المفارقات اللافتة أن دولا كثيرة تنفق مليارات الدولارات على تحسين صورتها الدولية، ثم تأتي بعض الممارسات الإدارية أو السياسية لتقوض جزءا من هذا الجهد. فالصورة الذهنية للدول لا تبنى بالشعارات، وإنما بالتجارب الإنسانية المباشرة التي يعيشها الزوار والوفود والجماهير.

الرياضة أصبحت أداة لقياس مدى احترام الدول للإنسان قبل أن تكون مناسبة لاستعراض قوتها. فالدولة التي تنجح في جعل ضيوفها يشعرون بالأمان والكرامة والاحترام تكسب أكثر بكثير من مجرد بطولة ناجحة إنها تكسب احترام العالم.

فقرار منع الحكم الصومالي البارز عمر عبد القادر أرتان من دخول الولايات المتحدة رغم اعتماده رسميا من طرف الفيفا، إلى جانب تقارير عن استجوابات مطولة طالت بعض اللاعبين والإداريين، أعطى انطباعا لدى كثيرين بأن الاعتبارات السياسية والأمنية باتت تتقدم على المبادئ التي يفترض أن تحكم التظاهرات الرياضية الدولية.

ولهذا يصعب توقع أن يحظى مونديال 2026 بنفس الزخم العاطفي والشعبي الذي حظي به مونديال قطر 2022 لدى الجماهير العربية والإفريقية. فقد ارتبط مونديال قطر بالنسبة للكثيرين بشعور الفخر بقدرة دولة عربية على تنظيم حدث عالمي ناجح، كما تميز بأجواء احتفالية وانفتاح ثقافي جعلت جماهير الجنوب العالمي تشعر بأنها جزء من الحدث. أما اليوم، فإن النقاش الدائر لا يتعلق بالجوانب الرياضية فقط، بل يمتد إلى أسئلة أوسع حول العدالة والمساواة وحرية تنقل المشاركين.

كما بدأت بالفعل أصوات إعلامية ورياضية وحقوقية تتساءل عن موقف الفيفا من هذه الإجراءات، خاصة بعد تأكيد الاتحاد الدولي أنه لا يملك سلطة على قرارات الهجرة التي تتخذها الدولة المضيفة، وهو موقف اعتبره بعض المنتقدين تراجعا عن دوره في حماية حياد المنافسات وضمان مشاركة جميع المعتمدين رسميا دون تمييز.

ويبقى السؤال المطروح: هل تستطيع بطولة كأس العالم أن تحافظ على صورتها كحدث يوحد الشعوب عندما يشعر جزء من المشاركين أو الجماهير بأن معايير التعامل ليست واحدة للجميع؟

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *