عاشوراء بين السنة و الشيعة؟

رصد المغرب/ابراهيم الصغير باحث في التشيع 

مقدمة

كلما اقترب العاشر من شهر محرم الحرام من كل سنة، كلما تجدد النقاش و الجدال حول الأحكام الدينية و التقاليد الشعبية والعادات الخرافية، المرتبطة بهذا اليوم،  و تجدد معه الخلاف بين السنة و الشيعة، في جدلية قديمة حديثة، قائمة على فروق جوهرية متنافرة دينيا و تاريخيا.

و لتحليل عميق و تفكيك دقيق لهذه الفروق، يلزمنا إيجاد إجابات واقعية و منطقية للعديد من الأسئلة المشروعة، و التي يمكن إجمالها في الآتي:

ماذا يمثل يوم عاشوراء عند المسلمين؟ وما دلالاته الدينية والتاريخية؟ وكيف ينظر أهل السنة  إلى الطقوس العاشورائية التي يقيمها الشيعة في هذه المناسبة؟

ما الذي تمثله ذكرى عاشوراء عند الشيعة؟ و ما المنطلقات الدينية و التاريخية التي بنوا عليها معتقداتهم و طقوسهم؟ و كيف ينظرون لعبادات و عادات أهل السنة المتعلقة بهذا اليوم؟

لماذا يصرالشيعة على إحياء ذكرى مقتل الحسين في كربلاء لأكثر من 1300 سنة؟ و يجعلونها عنصرا مركزيا في الهوية الشيعية؟ و لا يحيون ذكرى وفاة رسول الله، صلى الله عليه و سلم، و هو أعلى منزلة من الحسين قطعا؟ و كيف ساهمت قضية كربلاء في تشكيل مفهوم المظلومية عندهم؟

عاشوراء عند أهل السنة

ينطلق أهل السنة في تأسيس معتقداتهم و عباداتهم و جميع تنظيراتهم من القرآن المحفوظ، و السنة النبوية الصحيحة، بفهم سلف الأمة من الصحابة و التابعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

و من ذلكم التصرف في يوم عاشوراء الذي يعتبرونه مناسبة عبادة محضة، تخضع لمنهج الاتباع لا الابتداع، فتجد أهل السنة يصومون ذلك اليوم اقتداء بصيام النبي صلى الله عليه و سلم له، و يستحب عندهم صيام يوم قبله و يوم بعده، مخالفة لليهود الذين كانوا يصومونه لأنه يوم نجى الله فيه موسى، عليه السلام، و الذي كان يصومه.

ففي الحديث الصحيح، عن عبد الله بن عباس-رضي الله عنهما- قال:”قَدِمَ النبيُّ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَدِينَةَ فَرَأى اليَهُودَ تَصُومُ يَومَ عاشُوراءَ، فَقالَ: ما هذا؟ قالوا: هذا يَوْمٌ صالِحٌ، هذا يَوْمٌ نَجّى اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن عَدُوِّهِمْ، فَصامَهُ مُوسى، قالَ: فأنا أحَقُّ بمُوسى مِنكُمْ، فَصامَهُ، وأَمَرَ بصِيامِهِ” أخرجه البخاري(4680) ومسلم(1130).

وعن ابن عباس، رضي الله عنهما، أيضا قال :ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعنى شهر رمضان”( رواه البخاري: 2006) ومعنى يتحرى أي : يقصد صومه لتحصيل ثوابه.

و لم يثبت عند أهل السنة في هذا اليوم غير الصيام و فضائله، و ذلك بخلاف ما يفعله بعض العوام من محدثات و عادات تسربت إليهم من غيرهم، كالتوسعة على العيال، و إظهار الفرح، و زمزم و إشعال النار، و الاكتحال و الحناء، و غيرها من مظاهر الخرافة  و الممارسات الدخيلة على ديننا.

و جوابا عن هذه المظاهر يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: “الحمد لله رب العالمين لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه ‏وسلم ولا عن أصحابه ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا ‏روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئا لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا التابعين ‏لا صحيحا ولا ضعيفا لا في كتب الصحيح ولا في السنن ولا المسانيد ولا يعرف شيء من هذه ‏الأحاديث على عهد القرون الفاضلة “(مجموع الفتاوى25/299).

فعاشوراء تاريخيا مرتبط عند أهل السنة بحدثين اثنين:

نجاة موسى و هلاك فرعون: وما ترتب عليه شرعا من الصوم.

استشهاد الحسين رضي الله عنه، و هو من المصائب العظيمة التي حلت بالمسلمين، و ما يترتب عليه من أحكام شرعية، يمكن إجمالها عند أهل السنة في ما يلي:

جوازالحزن والبكاء على الميت، تحريم النياحة و ما يصاحبها من مخالفات جاهلية كشق الجيوب ولطم الخدود وإظهار الجزع من القدر، و الحداد لأكثر من ثلاثة أيام لغير المرأة على زوجها.

مما هو وسط بين العاطفة الغريزية الطبيعية لفقد عزيز، و بين مظاهر الغلو الجاهلية.

و بناء على ما سبق ينظر أهل السنة إلى الطقوس العاشورائية الشيعية بأنها مخالفة لهدي الإسلام الرباني و ابتداع بشري، و خرافات تسيء إلى الإسلام باسم محبة ال البيت و الحزن عليهم.

عاشوراء عن الشيعة

مقدمة لا بد منها قبل تحرير هذه المسألة، و هي عن أي تشيع نتكلم؟ هل التشيع العربي الأصيل الذي على عجره و بجره لم يعد موجودا أصلا، أم عن التشيع الفارسي الذي اختطف التشيع العربي و صيره مشروعا سياسيا مغطى بالديني.

هل نتكلم عن المعتدل، إن وجد، أم عن الغلاة الذين يتهمونه بالتوسع في التقية؟

لماذا هذه الأسئلة تطرح نفسها و بشدة، حتى لا نحاكم أقوال الشيعي إلى القرآن و هو يعتقد بتعرضه للتحريف، حتى لا نحاكمه إلى سنة النبي صلى الله عليه و سلم و هو يتهمها بالوضع و التزوير؟

تعتبر ذكرى عاشوراء عند الشيعة مناسبة للحزن و الحداد على استشهاد الحسين بن علي-رضي الله عنه- في كربلاء سنة 61هـ.

فتقام مجالس العزاء الحسنينية، و المواكب الجماهيرية، التي تلطم و تطبر و تضرب الرؤوس و الظهور و تلتحف السواد إظهارا للحزن و الجزع مدة أربعين يوما.

فما مراحل تطور هذه الشعائر، و ما الأسس الشرعية التي بنيت عليها؟

يختلف مؤرخو الشيعة و علماؤها على تاريخ ظهور الشعائر الحسنيية، التي يرى عبد المحسن الأميني في محاضراته المجموعة في كتاب(سيرتنا و سنتنا)، أن أول من أقامها هو رسول الله صلى الله عليه و سلم في حياة حفيذه، و يرى اخرون أن ظهورها كان بشكل فردي منذ 61هـ، ذكرى استشهاد الحسين، رضي الله عنه، بينما يذهب غيرهم إلى أن الظهور الفعلي لها كظاهرة كان في العصر البويهي(القرن الرابع الهجري) و قال آخرون أنها لم تظهر بالشكل الذي عليه الآن إلا مع الدولة الصفوية(من القرن العاشر الهجري فصاعدا) و التي أرست قواعد هذه الشعائر كما هي الآن.

و هذا غير مهم بقدر معرفة الأسس العلمية و الشرعية التي بنيت عليها هذه الشعائر، و هنا اصطدم الشيعة بالأدلة التي تحرم هذه الشعائر مما خلق حالة من التناقض و تناقض التناقض حولها داخل المدارس الشيعية، حتى عمد بعض العلماء إلى تحريمها و النهي عنها، كخامنئي ممثل ولاية الفقيه و حوزة قم، الذي يرى فيها وهنا و ضررا على التشيع. و جوزها البعض شريطة انتفاء الضرر، كالشيخ الفياض من النجف، و أوجبها الشيرازي بل يعتبرها شعائر إلاهية واجبة.

أراء و توجهات و إن اختلفت في قضاياها الاساسية إلا أنها توحدت في الطعن في المخالف و يقصدون أهل السنة حيث يرون أنهم يبغضون ال البيت بدليل عدم الحزن عليهم بالطريقة الشيعية، و أن تاريخهم مزور تعرض للتحريف، الى غير ذلك من التهم الجاهزة.

التوظيف السياسي الشيعي لمقتل الحسين

لم يكن الحسين رضي الله عنه، أول رجل يقتل من آل البيت، فقد مات صاحب البيت، ولا يحي الشيعة ذكرى وفاته بل و لا يتذكرونها حتى، و ماتت الزهراء و الإمام علي، رضي الله عنهما، و لم يؤثر عن الشيعة خمس ما يقومون به في قصة كربلاء.

 لماذا نسي الشيعة آلاف المعارك التي وقعت في التاريخ الإسلامي، و دفنوها في ذاكرة الماضي، إلا معركة كربلاء بقيت حية في الوعي و الوجدان الشيعي؟

لقد مر حدث مقتل الحسين عبر مراحل طويلة، و مع كل مرحلة كان يحمل رمزية شحن أقوى، حتى تحول إلى ثقافة كربلائية ثورية، قابلة للاستعمال الطائفي و التوظيف السياسي، تحت شعارات عاطفية شتى(يا لثارات الحسين)(كل أرض كربلاء و كل يوم عاشوراء).

فقد تحول الحسين عند الشيعة إلى رمز للمقاومة ضد الظلم و الطغيان، ترفعه الدول الشيعية لتجييش المقاتلين و خوض الحروب التوسعية.

و إلى مظلوم يحتاج إلى النصرة ممثلا محور الحق ضد الباطل لإضفاء شرعية على معاركهم القتالية ضد الخصوم، أو منتصر انتصارا رمزيا أخلاقيا مقابل الظلم الذي لحقه.

بينما جعل في النظام السياسي الإيراني الحالي وقودا للتعبئة ومناصرة المشروع الخميني الذي يدعي أنه امتداد للخط الثوري الحسيني، في إطار ولاية الفقيه الشيعية.

خاتمة

إن التوظيف السياسي الشيعي لمقتل الحسين رضي الله عنه، (عاشوراء) و الانتقال بهذا الحدث من سياقه الديني التاريخي إلى محرك سياسي عاطفي للتجييش ضد المسلمين بوصفهم يمثلون الخط اليزيدي، مقابل الخط الحسيني، و الدعوة إلى الانتقام، و اللعن و التكفير، و الإعلان لهذه الشعائر الجاهلية لا يخدم إلا أعداء الإسلام و المسلمين.

 

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *