سيارات الأجرة خارج القانون ووزارة الداخلية تتفرج على فوضى تهين المغاربة وتسيء إلى صورة الدولة

رصد المغرب/ عبدالكبير بلفساحي


في أي دولة تحترم نفسها، يعتبر النقل العمومي واجهة من واجهات هيبة المؤسسات وقدرة الدولة على فرض القانون. وأما في المغرب، فقد تحول قطاع سيارات الأجرة في عدد من المدن إلى نموذج صارخ للفوضى والإفلات من المحاسبة، وسط صمت مريب من الجهات المفترض أنها مسؤولة عن التنظيم والمراقبة.

ما وقع أمام محطة القطار بمراكش ليس حادثا معزولا، بل صورة مصغرة لواقع يتكرر يوميا من طنجة إلى الكويرة. عشرات سيارات الأجرة مصطفة أمام المحطة، والمسافرون يتجولون بحثا عن سائق يقبل القيام بعمله، بينما أصحاب السيارات جالسون في المقاهي أو يتربصون بزبون يضمن لهم رحلة استثنائية بأرباح مضاعفة.

فأي منطق هذا؟ وأي خدمة عمومية هذه التي يصبح فيها المواطن مضطرا للبحث عن السائق بدل أن يبحث السائق عن الزبون؟

المفارقة أن بعض المهنيين لا يترددون في الخروج إلى وسائل الإعلام للاشتكاء من تراجع المداخيل ومن المنافسة التي تفرضها التطبيقات الحديثة، بينما تكشف الوقائع الميدانية أن جزءا من الأزمة سببه سلوكيات متجذرة داخل القطاع نفسه، حيث يرفض البعض القيام برحلات عادية، ويفضل انتظار صفقة استثنائية قد تدر عليه ما يعادل دخل يوم كامل.

والأدهى أن هذه الممارسات لا تحدث في الأزقة الخلفية أو المناطق النائية، بل أمام المحطات الرئيسية، وبالقرب من أعين السلطات، وفي مواقع يفترض أن تكون الأكثر خضوعا للمراقبة.

وفي الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمملكة، لا يختلف المشهد كثيرا. حيث مواطنون يبحثون لساعات عن سيارة أجرة، في وقت تصطف فيه عشرات السيارات في أماكن معروفة للجميع. وأما في سلا والرباط وغيرها من المدن، فقد أصبح من المعتاد مشاهدة سيارات أجرة صغيرة تمارس ما يشبه النقل الجماعي، في خرق واضح للقوانين المنظمة للمهنة، بينما يواصل المسؤولون ترديد الشعارات نفسها عن التنظيم والتأهيل والإصلاح.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، هو لماذا تفشل وزارة الداخلية في فرض القانون داخل هذا القطاع؟
هل يعقل أن تكون الدولة قادرة على مراقبة ملايين الوثائق والمعاملات والإجراءات الإدارية، وتعجز عن ضبط قطاع سيارات الأجرة؟ أم أن هناك إرادة حقيقية لغض الطرف عن تجاوزات أصبحت جزءا من المشهد اليومي؟

إن المواطن المغربي لم يعد يصدق رواية “الإمكانات المحدودة” أو “صعوبة المراقبة”. فالمخالفات تقع في الشارع العام، أمام الجميع، وبشكل علني. رفض نقل الركاب، انتقاء الوجهات، عدم احترام العداد، تجميع الركاب دون موافقة، احتلال الأرصفة، عرقلة السير، والامتناع عن تقديم الخدمة في أوقات الذروة. كلها ممارسات معروفة ولا تحتاج إلى لجان تحقيق أو تقارير سرية لاكتشافها.

والأخطر من ذلك أن استمرار هذا الوضع يضرب في العمق مفهوم المساواة أمام القانون. فكيف يمكن مطالبة المواطن باحترام القوانين والواجبات، بينما يشاهد يوميا قطاعات كاملة تتصرف وكأنها فوق القانون؟

إن أكبر ضرر لا يلحقه هذا الواقع بالمواطن فقط، بل بصورة الدولة نفسها. فالسائح الذي يصل إلى مراكش أو الدار البيضاء أو الرباط ويصطدم بهذا العبث، لن يميز بين السائق والإدارة والسلطة المحلية والوزارة الوصية، بل سيحكم على البلد بأكمله من خلال أول تجربة يعيشها فور نزوله من القطار أو الطائرة.

لقد آن الأوان لإنهاء سياسة التساهل والتبرير. والمطلوب اليوم هو قرارات حازمة لا بيانات إنشائية، مراقبة يومية، عقوبات رادعة، سحب رخص الثقة من المتورطين في المخالفات المتكررة، وربط ممارسة المهنة بالالتزام الصارم بالقانون.

فيما الاستمرار في تجاهل الواقع، لن يؤدي إلا إلى تكريس الفوضى وتعميق فقدان الثقة في المؤسسات. فالدولة القوية لا تقاس بعدد القوانين التي تضعها، بل بقدرتها على فرضها على الجميع دون استثناء.

وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل المواطن المغربي يتساءل كل يوم، هل سيارات الأجرة مرفق عمومي لخدمة الناس؟ أم امتياز خاص لا يخضع لأي رقابة حقيقية؟

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *