حين تتحول السياسة إلى موسم انتخابي

رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح 

في كثير من المدن المغربية، ومنها سلا، تبرز ظاهرة سياسية لافتة تتمثل في استمرار بعض الوجوه الانتخابية لعقود طويلة في المشهد المحلي. شخصيات تتكرر أسماؤها في كل استحقاق انتخابي، وتنجح في الحفاظ على مواقعها رغم الانتقادات المتكررة لأدائها ورغم شعور قطاعات واسعة من المواطنين بأن حصيلتها لا ترقى إلى مستوى التطلعات. والمفارقة أن بعض هؤلاء لا يعرفون بإنتاج فكري أو مساهمة سياسية أو حضور في النقاش العمومي بقدر ما يُعرفون بقدرتهم على تدبير المعركة الانتخابية وحشد الأصوات.

يمكن وصف هذه الفئة بـ(السياسي الظاهر الغابر). فهو ظاهر في موسم الانتخابات، حاضر في الولائم واللقاءات والزيارات الميدانية والوعود الكبرى، لكنه يغيب بعد إعلان النتائج. لا يرى في الندوات الفكرية، ولا في النقاشات العمومية حول قضايا المدينة، ولا في المبادرات الثقافية أو التنموية، ولا يعرف عنه اهتمام بإنتاج أفكار أو رؤى استراتيجية لمستقبل المجال الذي يمثله. وجوده السياسي مرتبط أساسا بالانتخابات، وكأن السياسة بالنسبة إليه ليست تدبيرا للشأن العام، بل الية للحفاظ على الموقع والنفوذ.

هذه الظاهرة لا ترتبط فقط بأشخاص بعينهم، بل تعكس طبيعة معينة من الممارسة السياسية. ففي الديمقراطيات الناضجة ُقاس السياسي بما يقدمه من أفكار وبرامج ومواقف وقدرته على التأثير في السياسات العمومية، بينما يتحول السياسي في بعض السياقات المحلية إلى وسيط انتخابي أكثر منه فاعلا سياسيا. قوته لا تأتي من مشروعه، بل من شبكات العلاقات والزبونية والقدرة على إدارة الحملات الانتخابية واستثمار القرب الاجتماعي والعائلي والاقتصادي.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كان كثير من المواطنين ينتقدون هؤلاء السياسيين ويعتبرونهم مسؤولين عن تعثر التنمية المحلية، فلماذا يستمرون في الفوز؟

الجواب يتجاوز فكرة (جهل الناخب) التي يرددها البعض. فالناخب ليس دائما ضحية خداع بسيط، بل يتحرك داخل بنية اجتماعية وسياسية معقدة. فهناك من يصوت بدافع القرابة أو الانتماء العائلي، وهناك من يصوت حفاظا على مصالح مباشرة أو أملا في خدمة إدارية أو فرصة عمل أو تدخل لدى جهة معينة. وهناك من فقد الثقة في التغيير أصلا، فأصبح يختار الوجوه المألوفة باعتبارها الأقل مخاطرة. كما أن ضعف الأحزاب في إنتاج نخب جديدة يجعل الناخب يجد نفسه أمام الأسماء نفسها في كل محطة انتخابية.

إن استمرار (السياسي الظاهر الغابر) ليس دليلا على قوته فقط، بل أيضا على ضعف البديل. فحين تغيب النخب الفكرية والكفاءات المهنية والفاعلون المدنيون عن المجال الانتخابي، يظل المجال مفتوحا أمام محترفي الانتخابات الذين راكموا خبرة طويلة في إدارة الأصوات أكثر مما راكموا خبرة في إدارة الشأن العام.

ومن المفارقات أن بعض هؤلاء السياسيين يحققون نجاحهم الأكبر في ظل حالة عامة من السخط تجاههم. المواطن قد ينتقدهم في المجالس الخاصة، لكنه يوم الاقتراع يعيد إنتاج النتيجة نفسها. وهنا تتحول الانتخابات من أداة للمحاسبة إلى آلية لإعادة تدوير النخب ذاتها. فيظهر نوع من التناقض بين الخطاب الشعبي الرافض وبين السلوك الانتخابي الفعلي.

إن أزمة المدن ليست دائما أزمة موارد أو ميزانيات فقط، بل هي أيضا أزمة تمثيل سياسي. فحين يصبح المنتخب خبيرا في الفوز بالانتخابات أكثر من كونه خبيرا في تدبير التنمية، وحين يصبح الحضور الموسمي بديلا عن العمل اليومي، تتحول السياسة إلى نشاط انتخابي محض، وتفقد وظيفتها الأصلية باعتبارها خدمة للصالح العام.

لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في نقد (الحيتان الانتخابية)، بل في بناء ثقافة سياسية جديدة تربط الشرعية بالإنجاز، والحضور بالمحاسبة، والتمثيل بالكفاءة. فالمشكلة ليست في وجود السياسي الذي يظهر ثم يغيب فحسب، بل في البيئة التي تسمح له بأن يظل يظهر وينجح ويغيب لعشرين سنة أو أكثر دون أن تتغير قواعد اللعبة. فالكائن الانتخابي لا يعيش بقوته الذاتية وحدها، بل يعيش أيضا على ضعف السياسة نفسها.

 

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *