رصد المغرب / عبدالفتاح الحيداوي
بعد أكثر من عقدين على بداية هذا الملف، يبدو أن النقاش ظل يدور في دائرة واحدة، تتمثل في المطالبة بالإفراج عن المعتقلين، بينما بقي سؤال أكثر عمقا دون معالجة كافية، وهو: ما طبيعة هذه القضية أصلا؟ وكيف ينبغي أن تعرف أمام المجتمع والرأي العام؟ إن الاقتصار على المطالبة بالإفراج، مهما كانت أهميته، يجعل القضية رهينة الظرفية السياسية أو القانونية، بينما يبقى الإطار الذي تفهم من خلاله ثابتا لا يتغير. ولهذا فإن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في استمرار الاعتقال أو بطء الإفراج، وإنما في استمرار تعريف الملف وفق أوصاف صاغها الآخرون، ولم ينجح أصحاب القضية في تقديم تعريف بديل يحظى بقدر من القبول المجتمعي.
فخلال السنوات الماضية ظلت أوصاف مثل (السلفية الجهادية)، و(الإرهابيون السابقون)، و(المتطرفون)، و(التكفيريون) هي اللغة السائدة في وسائل الإعلام، وفي جزء معتبر من الخطاب السياسي، وفي التصورات الاجتماعية. وبغض النظر عن الخلفيات الفكرية أو السياسية لهذه التسميات، فإن استمرارها بوصفها الإطار الوحيد لفهم القضية جعلها تقرأ دائما باعتبارها قضية أمنية أو إيديولوجية، لا باعتبارها أيضا قضية حقوقية وإنسانية وقانونية. والنتيجة أن النقاش انحصر غالبا في المواقف من الأفكار، بدلا من أن ينصرف إلى المبادئ القانونية التي يفترض أن تكفلها الدولة لكل مواطن، أيا كانت توجهاته.
وفي علم الاجتماع السياسي، لا يعد تعريف القضية مجرد اختيار لغوي، بل يمثل عملية تأسيس للإطار الذي يحدد طريقة إدراكها والتعامل معها. فالجهة التي تنجح في فرض تعريفها للقضية تملك، إلى حد بعيد، القدرة على توجيه الرأي العام، وتحديد طبيعة التحالفات الممكنة، ورسم حدود التعاطف أو الرفض. ولذلك فإن كثيرا من الحركات الاجتماعية والحقوقية في العالم لم تحقق تأثيرها الأساسي بمجرد رفع المطالب، وإنما من خلال إعادة صياغة تعريف القضية نفسها بحيث تنتقل من كونها قضية فئة محددة إلى قضية تتصل بقيم عامة يتشارك فيها المجتمع.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن إحدى أهم المهام المستقبلية تتمثل في الانتقال من الهوية الإيديولوجية إلى الهوية الحقوقية. فبدلا من أن يكون التعريف الأساسي هو الانتماء الفكري أو التنظيمي، يمكن أن يكون منطلق الخطاب هو أن المعنيين بهذا الملف مواطنون يتمتعون بالحقوق والضمانات التي يكفلها القانون والدستور والمواثيق الدولية، وأن أي ادعاء بوجود انتهاكات، سواء تعلق بالمحاكمة الغير العادلة أو بظروف الاعتقال أو بغيرها من الحقوق، يستحق النظر إليه في إطاره القانوني والحقوقي، لا من خلال الموقف من الأفكار التي يحملها أصحابها.
إن هذا التحول لا يعني إنكار التاريخ، ولا إعادة كتابة الوقائع، ولا مطالبة المجتمع بتبني أي رؤية فكرية، وإنما يعني فقط إعادة ترتيب الأولويات. فالدول الحديثة لا تقوم على منح الحقوق لمن نتفق معهم، وإنما على حماية الحقوق باعتبارها ضمانات عامة تشمل الجميع. ولذلك فإن الدفاع عن حق أي إنسان في محاكمة عادلة، أو في الكرامة الإنسانية، أو في الحماية من التعذيب وسوء المعاملة، لا يفترض الموافقة على أفكاره، كما أن رفض التعذيب أو المطالبة باحترام الإجراءات القانونية لا يعني تبرئة أي شخص من المسؤولية الجنائية إن ثبتت بحكم قضائي مستوف لضمانات العدالة.
وهذا التمييز بين الدفاع عن الحقوق والدفاع عن الأفكار يمثل أحد الأسس الكبرى للعمل الحقوقي في التجارب المقارنة. فالعديد من المنظمات الحقوقية الدولية والإقليمية دافعت عن حقوق سجناء ينتمون إلى اتجاهات سياسية أو فكرية متعارضة، دون أن تتحول إلى منابر لتلك الأفكار. وكان معيارها الثابت هو احترام القانون والكرامة الإنسانية، لا تقييم القناعات الشخصية للمعتقلين. ومن هنا فإن نجاح أي مشروع حقوقي مرتبط بهذا الفصل المنهجي، لأنه يفتح الباب أمام مشاركة فاعلين متنوعين لا تجمعهم بالضرورة الخلفيات الفكرية نفسها، وإنما يجمعهم الالتزام بالمبادئ القانونية والإنسانية.
ولعل هذا يفسر أيضا محدودية الحاضنة المجتمعية التي أحاطت بالملف خلال السنوات الماضية. فحين يظل الخطاب موجها أساسا إلى الدائرة الفكرية القريبة، فإنه يصعب أن يجد صدى واسعا خارجها. كما أن غلبة اللغة الوعظية أو الإيديولوجية على حساب اللغة الحقوقية تجعل شرائح واسعة من المجتمع ترى القضية من زاوية الانتماءات الفكرية، لا من زاوية الحقوق الأساسية. ويضاف إلى ذلك ضعف التوثيق المهني للانتهاكات المزعومة، وغياب التقارير المنهجية، وقلة الدراسات الأكاديمية، وضعف التواصل مع الإعلام المستقل، وعدم بناء شراكات مع الفاعلين الحقوقيين والجامعات ومراكز البحث، وهي كلها عوامل ساهمت في بقاء الملف محدود التأثير خارج دائرة المتابعين المباشرين.
ومن الملاحظ كذلك أن كثيرا من الجهود ظلت فردية ومتفرقة. فقد خرج مئات المعتقلين السابقين، لكن التجربة لم تتحول إلى ذاكرة جماعية منظمة، ولم يبن عليها مشروع معرفي أو حقوقي متكامل. وفي المقابل، تظهر التجارب المقارنة أن كثيرا من الملفات الحقوقية اكتسبت قوتها من قدرتها على إنتاج المعرفة حول نفسها، من خلال كتابة الشهادات، وإعداد المذكرات، وجمع الوثائق، وتوثيق الأحداث، وإجراء المقابلات، وإنشاء الأرشيفات، وإنتاج الدراسات والأفلام الوثائقية. فالذاكرة المكتوبة لا تحفظ الماضي فحسب، بل تصبح مع مرور الزمن مصدرا أساسيا للباحثين والإعلاميين وصناع القرار، وتساهم في تشكيل الوعي العام بالقضية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من الجهد الفردي إلى العمل المؤسسي، عبر بناء ما يمكن تسميته بالعقل الجمعي للملف. والمقصود بذلك إيجاد إطار قادر على توحيد المعرفة والخبرة والتوثيق والتواصل، بحيث لا يبدأ كل جيل من الصفر، ولا تضيع التجارب الشخصية بخروج أصحابها من السجون أو بانشغالهم بحياتهم الخاصة. فالقضايا الممتدة زمنيا تحتاج إلى مؤسسات تحفظ الذاكرة، وتنتج المعرفة، وتنسق الجهود القانونية والإعلامية والبحثية، وتبني جسورا مع مختلف الفاعلين.
وفي السياق نفسه، يبدو من المهم التمييز بين مستويين متكاملين للعمل. الأول يتعلق بالدفاع عن حقوق المعتقلين الموجودين داخل المؤسسات السجنية، بما يشمل ضمان المحاكمة العادلة، وتحسين ظروف الاعتقال، والرعاية الصحية، واحترام الحقوق القانونية، ومتابعة أوضاع الأسر. أما المستوى الثاني فيتعلق بالمفرج عنهم، إذ لا ينتهي أثر العقوبة بمجرد مغادرة السجن، بل قد تستمر آثارها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية لسنوات طويلة. ولذلك فإن إعادة الإدماج، وإزالة الوصم الاجتماعي، وتسهيل فرص العمل، والدعم النفسي، والتكوين، وتمكين الأفراد من استعادة حياتهم الطبيعية في إطار القانون، كلها قضايا لا تقل أهمية عن المطالبة بالإفراج نفسه.
كما أن تجاوز الانقسامات الداخلية يمثل شرطا ضروريا لأي مشروع مستقبلي. فقد أفرزت سنوات الاعتقال الطويلة اجتهادات متباينة، ومواقف مختلفة، وخلافات شخصية وفكرية، وهو أمر طبيعي في أي تجربة ممتدة. غير أن استمرار هذه الخلافات بوصفها المحدد الرئيسي للعلاقات بين الفاعلين يبدد الطاقات، ويحول دون بناء رؤية مشتركة. ولذلك فإن الحاجة تبدو قائمة إلى مراجعة جماعية هادئة للتجربة، وتقييم ما تحقق وما لم يتحقق، ووضع قواعد لإدارة الاختلاف تقوم على الاحترام المتبادل، والاعتراف بالتعدد، والاتفاق على الأولويات المشتركة، دون اشتراط التطابق الفكري الكامل.
وفي هذا السياق، يصبح الهدف النهائي هو الانتقال من الدفاع عن أشخاص إلى الدفاع عن مبادئ عامة، لأن المبادئ وحدها هي القادرة على جمع المختلفين. فرفض التعذيب، وضمان المحاكمة العادلة، وصيانة الكرامة الإنسانية، وتحسين أوضاع المؤسسات السجنية، ودعم إعادة الإدماج، ليست مطالب تخص فئة بعينها، وإنما هي أسس لدولة القانون يستفيد منها جميع المواطنين. وعندما تعرض القضية بهذه الصيغة، فإنها تصبح أكثر قدرة على استقطاب الحقوقيين، والمحامين، والأكاديميين، والإعلاميين، والجمعيات المدنية، وأسر المعتقلين، بل وحتى أشخاص يختلفون جذريا مع الخلفيات الفكرية للمعتقلين، لكنهم يؤمنون بضرورة احترام الحقوق الأساسية.
إن الرهان الحقيقي، إذن، لا ينبغي أن يكون فقط على كسب معركة قانونية هنا أو هناك، وإنما على تغيير الطريقة التي ينظر بها إلى القضية في الوعي العام. فالمجتمعات تتعاطف عادة مع القيم المشتركة أكثر مما تتعاطف مع الهويات المغلقة. وكلما استطاع الخطاب أن ينطلق من مبادئ العدالة والكرامة وسيادة القانون والمساواة أمام القضاء، ازدادت فرص بناء جسور مع فئات أوسع من المجتمع، بعيدا عن الاستقطابات الفكرية والسياسية.
ولا يعني ذلك أن الطريق سيكون سهلا أو أن إعادة تعريف القضية ستؤدي بالضرورة إلى تغير سريع في المواقف العامة، لأن الصور الذهنية الراسخة تتغير ببطء، وتحتاج إلى عمل تراكمي طويل النفس، يعتمد على المصداقية، والشفافية، والتوثيق، والحوار، والانفتاح على المجتمع. غير أن استمرار الاعتماد على الخطاب القديم، مع تكرار المطالب نفسها والوسائل نفسها، يجعل احتمالات التغيير محدودة، ويؤدي إلى إعادة إنتاج النتائج ذاتها.
ومن ثم، فإن مستقبل هذا الملف قد يكون أكثر ارتباطا بقدرته على التحول من رد فعل ظرفي إلى مشروع مجتمعي طويل الأمد، يقوم على المعرفة والتوثيق والحوار والعمل الحقوقي المهني، ويسعى إلى ترسيخ ثقافة قانونية تحمي الجميع، لا فئة بعينها. فالقضايا التي تكتسب بعدا وطنيا هي تلك التي تنجح في الانتقال من الدفاع عن جماعة محددة إلى الدفاع عن مبادئ عامة، ومن لغة الهوية المغلقة إلى لغة المواطنة والحقوق وسيادة القانون. وعندئذ يصبح النقاش أقل ارتباطا بالماضي والانتماءات، وأكثر ارتباطا بالمستقبل الذي يتطلع إلى مجتمع تكون فيه العدالة والكرامة الإنسانية ضمانتين لكل إنسان، مهما كان موقعه أو توجهه، في إطار احترام القانون وحماية أمن المجتمع وحقوق جميع أفراده.
شارك المقال























Leave a Reply