حكومة على صفيح ساخن. هل يتحول صراع رئاسة البرلمان إلى عقدة تشكيل الأغلبية؟

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /


لم تعد مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة مجرد نقاش حول عدد الحقائب الوزارية وحصة كل حزب منها، بل بدأت تتحول تدريجيا إلى معركة أوسع حول موازين القوة، ورئاسة المؤسسات، ومن يملك مفاتيح الأغلبية المقبلة.

في مقر حزب الأصالة والمعاصرة، استؤنفت، يوم الاثنين الماضي، لقاءات المشاورات، بحضور قيادات من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية. وبينما بقي مضمون هذه اللقاءات محاطا بالكثير من التكتم، فإن توقيتها وتركيبتها يطرحان سؤالا واضحا، وهو هل دخلت المفاوضات فعلا مرحلة توزيع الحقائب، أم أن الأطراف لا تزال تحاول أولا تثبيت خريطة التحالفات؟

والأكثر إثارة في المشهد هو أن حزب الاستقلال، الذي يفترض أن يكون أحد الأرقام الأساسية في الأغلبية المرتقبة، لا يبدو أنه دخل بعد في صلب هذه المعادلة بالشكل الذي يجعل الصورة واضحة. وهنا تحديدا تكمن إحدى أكبر علامات الاستفهام. وهي لماذا حزب الاستقلال؟

إذا كان الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية يمتلكان هامشا محدودا للمساومة بحكم نتائجهما الانتخابية، فإن حزب الاستقلال يدخل المفاوضات بأوراق أقوى. حيث نزار بركة لا يفاوض فقط على حقائب وزارية، لأن الحزب قد يطمح إلى موقع أكثر تأثيرا داخل هندسة المرحلة المقبلة، وفي مقدمة ذلك رئاسة مجلس النواب. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى الأصالة والمعاصرة.

فإذا كان “البام” يريد الاحتفاظ بالمنصب، بينما يرى الاستقلال أنه يستحقه، فإن المفاوضات قد تتحول من مجرد توزيع للمناصب إلى اختبار حقيقي لموازين القوة داخل الأغلبية. فهل سيكون وهبي في مواجهة بنسعيد؟ لأن رئاسة مجلس النواب قد تكون أيضا مصدر صداع داخلي للأصالة والمعاصرة.

عبد اللطيف وهبي يظل اسما بارزا في السباق، لكن تداول اسم مهدي بنسعيد كمنافس محتمل يفتح الباب أمام سيناريو مختلف تماما، وهو أن لا تكون المعركة على رئاسة المجلس معركة بين الأحزاب فقط، بل داخل الحزب نفسه. وتزداد حساسية هذا السيناريو مع تداول حديث عن دعم محتمل لبنسعيد من رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري. وإذا تأكدت هذه المعطيات، فإن “البام” سيكون أمام معادلة محرجة، وهي كيف يحافظ على وحدة قراره الداخلي، وفي الوقت نفسه يتعامل مع طموحات قياداته المختلفة؟

لكن المفارقة أن أيا كان مرشح الأصالة والمعاصرة، فقد يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع نزار بركة، الذي يتداول اسمه هو الآخر لهذا المنصب. وبذلك قد تصبح رئاسة مجلس النواب ورقة تفاوضية قادرة على إعادة ترتيب التحالفات برمتها. بعد ذلم يمكن طرح سؤال من نوع آخر، وهو هل الأحرار من الأغلبية إلى المعارضة؟

فإذا كانت معركة الاستقلال ورئاسة البرلمان تمثل الجبهة الأولى، فإن موقف التجمع الوطني للأحرار قد يشكل الجبهة الثانية. حيث في حال اختار الحزب الانتقال إلى المعارضة، فإن الخريطة السياسية ستشهد وضعا غير مألوف، خصوصا إذا وجد “الأحرار” نفسه في مواجهة مشتركة مع حزب العدالة والتنمية.

صحيح أن الاختلافات السياسية بين الطرفين كبيرة، وأن التقاطع في المعارضة لا يعني بالضرورة تحالفا، لكن السياسة لا تقوم دائما على التطابق في الأفكار، حيث أحيانا يكفي أن تتقاطع المصالح. وفي هذه الحالة، قد يجد حزب الأصالة والمعاصرة نفسه أمام خصمين في المعارضة، لكل واحد منهما حساباته الخاصة، لكنهما يلتقيان في هدف واحد، وهو الضغط على الأغلبية الجديدة. لأن الوقت يتحول إلى خصم.

إن المشكلة الأكبر هي أن كل يوم إضافي في المفاوضات يعني تأخير الانتقال إلى العمل الحكومي الفعلي. حيث المغاربة لا ينتظرون فقط معرفة من سيحصل على هذه الوزارة أو تلك، بل ينتظرون حكومة وبرنامجا واضحا، خصوصا في ظل الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي ستكون أمامها منذ اليوم الأول. لكن الأحزاب لا تزال منشغلة بتثبيت مواقعها في رقعة سياسية لم تستقر نهائيا.

ومع اقتراب افتتاح البرلمان يوم الجمعة المقبل بحضور الملك محمد السادس، يتحول عامل الزمن إلى ضغط حقيقي على المتفاوضين. فهل تكون الساعات المقبلة كافية لحسم توزيع الحقائب ورئاسة مجلس النواب وخريطة الأغلبية؟ أم أن الخلاف حول المواقع سيكشف أن تشكيل الحكومة الجديدة أصعب بكثير من مجرد جمع أحزاب حول طاولة واحدة؟ حيث المعركة الحقيقية قد لا تكون حول من سيدخل الحكومة، بل حول من سيجلس في موقع القرار داخلها وحولها.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *