رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /
لا جديد في الحكومة المعينة يستحق الذكر، وكأننا لم نجر انتخابات، ولم نتوجه إلى صناديق الاقتراع لاختيار من يمثلنا، ولم نصوت أصلا لأننا ننشد التغيير. حيث يبدو في نهاية المطاف، وكأننا خضنا كل ذلك لنعود إلى نقطة البداية، مع فارق شكلي لا غير، وهو تغيير المذكر إلى مؤنث، وتبديل بعض الأسماء، فيما يظل جوهر الاختيارات على حاله.
نجري ثم نجري، ونعود إلى المربع الأول لاهثين، كأن السياسة عندنا لا تعرف معنى التداول، وكأن الانتخابات مجرد موعد دوري لإعادة ترتيب المقاعد، لا مناسبة لمراجعة الخيارات ومحاسبة المسؤولين وتجديد النخب.
في الحكومة الجديدة أكثر من وجه ألفه المغاربة لطول مقامه في المنصب، حتى باتت بعض الأسماء مألوفة إلى درجة يصعب معها التمييز بين الاستمرارية السياسية والخلود الحكومي. وجوه تبدو وكأنها اكتشفت سر البقاء في السلطة، فلا تغادر مواقعها إلا لتعود إليها، ولا تتجدد المسؤوليات في عهدتها إلا لتتكرر التجربة ذاتها.
لكن المفارقة الأكثر إثارة للأسئلة ليست في بقاء الوزراء القدامى وحده، بل في دلالة بعض التعيينات الجديدة، خصوصا حين يتعلق الأمر بأسماء خاضت الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر، ولم تنل ثقة الناخبين. أسماء أخفقت في امتحان صناديق الاقتراع، لكنها نجحت، بقدرة الاختيار الحكومي، في الوصول إلى مقاعد المسؤولية التنفيذية.
وهنا مكمن الإشكال السياسي، وهو كيف يمكن لمن لم يمنحه الناخبون أصواتهم أن يصل إلى الحكومة، في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون الانتخابات مدخلا لترجمة الإرادة الشعبية إلى تمثيل سياسي؟
صحيح أن التعيين الحكومي والانتخاب التشريعي مساران مختلفان من الناحية الدستورية، وأن عدم الفوز بمقعد برلماني لا يمنع، في حد ذاته، تعيين الشخص وزيرا. لكن السؤال لا يتعلق بما هو جائز قانونا فحسب، بل بما هو مقنع سياسيا وأخلاقيا أمام الناخبين الذين قالوا كلمتهم عبر الصندوق.
فحين يخسر مرشح امتحان الثقة الشعبية، ثم يجد نفسه عضوا في الحكومة، فإن الرسالة التي قد تصل إلى المواطنين هي أن أصواتهم تستطيع إسقاط المرشحين في الانتخابات، لكنها لا تستطيع بالضرورة إبعادهم عن مراكز القرار. وهنا تتسع الهوة بين منطق الاقتراع ومنطق التعيين، وتتراجع قيمة الاختيار الشعبي في الوعي العام.
ولا يتعلق الأمر بالتشكيك في كفاءة كل من لم يفز بمقعد انتخابي، ولا بافتراض أن كل وزير غير منتخب سيتصرف بدافع الانتقام من ناخبين لم يصوتوا له. فتلك أحكام لا يجوز إطلاقها دون أدلة. إنما يتعلق الأمر بضرورة مراعاة الدلالة السياسية للتعيينات، وبمدى قدرتها على احترام روح الاختيار الديمقراطي وبناء الثقة بين المسؤول والمواطن.
فالمسؤول الذي يصل إلى موقعه عبر التعيين يتحمل مسؤولية مضاعفة في إثبات كفاءته، وتقديم حصيلته، وإقناع الرأي العام بأنه يخدم الصالح العام، لا حسابات الأشخاص أو التوازنات الحزبية. أما إذا غابت الشفافية، وحلت الولاءات محل معايير الاستحقاق، فإن الشكوك ستجد طريقها إلى النفوس، حتى قبل أن تبدأ الولاية الحكومية فعليا.
ثم ماذا عن الوزراء الذين تحولوا إلى ثوابت في المشهد الحكومي؟ وماذا عن الأسماء التي تستمر في مواقعها رغم ما يحيط ببعضها من انتقادات وأسئلة بشأن الحصيلة والنجاعة وتدبير الملفات؟ أليس من حق المواطنين معرفة المعايير التي تحكم الاحتفاظ بهذا الوزير أو استبعاد ذاك؟ وأين يقف تقييم الأداء، وأين تنتهي حسابات التوازنات السياسية؟
إن تجديد الثقة ليس حقا مكتسبا إلى الأبد، والاستمرار في المنصب لا ينبغي أن يصبح مكافأة على طول البقاء. فالعمل الحكومي مسؤولية مرتبطة بالنتائج، والنجاح فيه يقاس بما يتحقق على أرض الواقع، لا بعدد السنوات التي يقضيها المسؤول في كرسيه.
أما الديمقراطية، فلا يكفي أن نستحضرها عند تنظيم الانتخابات، ثم نتعامل مع نتائجها باعتبارها تفصيلا يمكن تجاوزه عند توزيع المسؤوليات. فجوهرها لا يتوقف عند فتح مكاتب التصويت وإعلان النتائج، بل يمتد إلى احترام الاختيار الشعبي، وتوضيح أسباب القرارات السياسية، وإخضاع المسؤولين للمساءلة.
هناك وزراء يحتفظون بمواقعهم، ووجوه تتكرر، وأسماء لم تسعفها صناديق الاقتراع تجد طريقها إلى الحكومة عبر التعيين، حيث هناك مشهد يعيد طرح السؤال عن الجدوى السياسية من الانتخابات، وعن المسافة الفاصلة بين ما يريده الناخبون وما تفرزه الترتيبات الحكومية.
فهل أجرينا الانتخابات من أجل التغيير، أم من أجل إعادة إنتاج المشهد نفسه بأسماء جديدة وقديمة؟ وهل أصبحت صناديق الاقتراع مجرد محطة عابرة في مسار تصنع ملامحه النهائية حسابات لا يملك المواطن الاطلاع عليها؟
إن أخطر ما يمكن أن تفعله السياسة بالمواطن ليس أن تخيب انتظاراته مرة، بل أن تجعله يقتنع بأن صوته لا يغير شيئا، وأن التغيير الذي ينتظره لا يتجاوز حدود الخطاب.
فهل رأيتم ما هو أشد إحراجا للديمقراطية من أن يمنح المواطن صوته بحثا عن التغيير، ثم يجد نفسه أمام مشهد يكاد يقول له إن شيئا لم يتغير؟
شارك المقال























Leave a Reply