جمعية مرآة للأطفال التوحديين بفاس توضح حقيقة خدماتها وترد على مغالطات منسوبة إلى تصريحات والد أحد الأطفال

رصد المغرب / عبد العالي بريك /


في سياق النقاش الدائر حول الخدمات المقدمة للأطفال في وضعية التوحد وأسرهم، نظمت جمعية مرآة للأطفال التوحديين بفاس، مساء يوم أمس الجمعة، ندوة صحفية لتقديم توضيحات بشأن طبيعة الخدمات التي توفرها، ومصادر تمويلها، والإكراهات التي تواجهها في مواصلة أداء مهامها الاجتماعية والإنسانية، وذلك بمشاركة رئيس الجمعية أحمد البغدادي، ورضوان اليوسفي، الأخصائي والخبير في مجال الأمراض النفسية.

وجاء هذا اللقاء أيضا لتوضيح موقف الجمعية من تصريحات أدلى بها والد أحد الأطفال في وضعية التوحد، والتي اعتبرت الجمعية أنها تضمنت مغالطات بشأن الخدمات المقدمة والتكاليف المرتبطة بها، الأمر الذي دفعها إلى إصدار بيان توضيحي استعرضت فيه طبيعة اشتغالها والظروف التي تشتغل فيها، مع التأكيد على ضرورة الاستماع إلى مختلف الأطراف وتقديم المعطيات الدقيقة للرأي العام.

وخلال الندوة، قدم رئيس الجمعية أحمد البغدادي توضيحات بشأن طبيعة الخدمات التي توفرها المؤسسة، مؤكدا أهمية التمييز بين خدمات التأهيل والمواكبة المقدمة داخل فضاء الجمعية، وبين المرافقة الفردية الضرورية لدمج الأطفال في المؤسسات التعليمية، والتي تختلف بحسب احتياجات كل طفل ووضعه الخاص.

وفي هذا الإطار، أوضحت الجمعية أن استفادة الأطفال من خدماتها لا تعني بالضرورة تحملها جميع التكاليف المرتبطة بمسارهم الدراسي، إذ إن توفير المرافقة الفردية داخل المؤسسات التعليمية يظل مرتبطا بخصوصية كل حالة والإمكانات المتاحة، مع تحمل الأسر، بحسب توضيحات الجمعية، نفقات مرتبطة بهذه المرافقة.

ومن بين النقاط الأساسية التي تناولتها الندوة مسألة التمويل، حيث أوضح رئيس الجمعية أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هي الجهة التي تربطها بالمؤسسة شراكة في هذا المجال، وأن الدعم المالي المقدم يخضع لشروط وأوجه استعمال محددة، ولا يشكل تمويلا شاملا لجميع المصاريف التي يتطلبها استمرار الخدمات.

وبحسب التوضيحات المقدمة، فإن هذا الدعم لا يغطي أجور الموظفين والمرافقات أو مجموع النفقات المرتبطة بتدبير المؤسسة، وهو ما يجعل الجمعية أمام تحديات متواصلة لتعبئة موارد إضافية تتيح لها الاستجابة لحاجيات الأطفال المستفيدين.

وأشار رئيس الجمعية إلى أن المؤسسة تعتمد كذلك على مساهمات بعض المحسنين والمتعاونين، الذين يساهمون أحيانا في تحمل مصاريف بعض الأطفال لفترات محدودة، بما يخفف جزءا من الأعباء المالية عن أسرهم وعن الجمعية، دون أن يوفر ذلك حلا دائما لجميع الحالات.

وفي بيانها التوضيحي، شددت الجمعية على أن وجود شراكات للدعم لا يعني بالضرورة تغطية جميع تكاليف التكفل، معتبرة أن معالجة الصعوبات التي تواجهها الأسر والجمعيات العاملة في مجال التوحد تتطلب دعما مستداما ومقاربة شاملة تراعي الاحتياجات الفعلية للأطفال.

وبعيدا عن الجوانب المرتبطة بالتصريحات والتمويل، شكلت شهادات عدد من أولياء أمور الأطفال المستفيدين محطة مهمة وهذا خلال تساؤلات الصحفيين بعد الندوة الصحفية، إذ أكدوا أن مواكبة الجمعية ساهمت في التخفيف من الأعباء النفسية والاجتماعية التي تتحملها الأسر، كما تحدثوا عن تحولات إيجابية لاحظوها لدى أبنائهم على المستويات الدراسية والنفسية والصحية والثقافية.

وتبرز هذه الشهادات، وفق أصحابها، أهمية استمرار خدمات التأهيل والمواكبة، لما لها من أثر في تنمية قدرات الأطفال وتعزيز فرص اندماجهم، فضلا عن دورها في منح أسرهم مزيدا من الاطمئنان في مواجهة التحديات اليومية المرتبطة بالتوحد.

كما قدمت بعض المرافقات شهادات استحضرن من خلالها سنوات عملهن داخل الجمعية، حيث أشارت بعضهن إلى أن مدة اشتغالهن بالمؤسسة تجاوزت خمسة عشر عاما، معتبرات أن العلاقة التي جمعتهن بالأطفال وأسرهم جعلت من الجمعية فضاء للعمل الإنساني والاجتماعي، رغم ما واجهنه من عراقيل وصعوبات مرتبطة بمحدودية الإمكانات.

وتعكس هذه الشهادات جانبا من الجهود التي تبذلها الأطر العاملة في هذا المجال، في ظل الحاجة إلى موارد مالية وبشرية كافية لضمان استمرارية الخدمات وتجويدها، خصوصا مع اختلاف احتياجات الأطفال وتباين ظروف أسرهم.

وفي معرض تفاعله مع أسئلة الصحفيين، قدم رضوان اليوسفي، الأخصائي والخبير في مجال الأمراض النفسية، توضيحات همت الجوانب النفسية والعلمية المرتبطة باضطراب طيف التوحد، متناولا العوامل التي قد تسهم في ظهوره، والسن الذي تبدأ فيه علاماته بالوضوح، وسبل المواكبة والتأهيل، فضلا عن إمكانية تحسين قدرات الأطفال وتعزيز فرص إدماجهم داخل المؤسسات التعليمية إلى جانب أقرانهم.

وفي سياق تفسير الجوانب العلمية المرتبطة بهذا الاضطراب، تبرز أهمية التمييز بين التوحد باعتباره اضطرابا نمائيا عصبيا، وبين الحالات التي يمكن الكشف عنها بواسطة الفحوصات الطبية التصويرية. فالسكانير والتصوير بالرنين المغناطيسي والإيكوغرافيا ليست وسائل لتشخيص التوحد، الذي يعتمد تقييمه أساسا على ملاحظة نمو الطفل وسلوكه وتواصله وتفاعله الاجتماعي، وفق معايير تشخيصية متخصصة، وقد يستدعي الأمر تقييما متعدد التخصصات بحسب الحالة.

كما أن أسباب التوحد لا ترتبط بعامل واحد يمكن تعميمه على جميع الحالات، إذ تشير الدراسات العلمية إلى تداخل عوامل جينية وعوامل أخرى مرتبطة بالنمو العصبي، بينما لا يزال البحث العلمي متواصلا لفهم آليات ظهوره بصورة أدق. وقد تبدأ علاماته في الظهور خلال السنوات الأولى من عمر الطفل، مع اختلاف توقيت ملاحظتها وطبيعتها من حالة إلى أخرى.

وفي ما يتعلق بإمكانيات التدخل، تبرز أهمية الكشف المبكر والمواكبة النفسية والتربوية والتأهيل المستمر، بما يساعد الأطفال على تطوير مهارات التواصل والتفاعل والاستقلالية وتحسين جودة حياتهم. كما أن الإدماج المدرسي والاجتماعي يظل هدفا أساسيا يتطلب تهيئة الظروف المناسبة وتوفير الدعم الذي يتلاءم مع احتياجات كل طفل وقدراته، مع التأكيد على أن الاستجابة للتدخلات تختلف من حالة إلى أخرى، ولا يوجد علاج شاف مضمون لجميع حالات اضطراب طيف التوحد.

وتأتي هذه التوضيحات العلمية في سياق عام لفهم التوحد، ولا تمثل نقلا حرفيا لكل ما ورد في مداخلة الأخصائي، بل صياغة تحليلية للمحاور التي تناولتها الندوة، مع الاستناد إلى المعطيات العلمية المتخصصة.

وتعود تجربة جمعية مرآة للأطفال التوحديين بفاس إلى سنة 2004، حيث راكمت، وفق المعطيات المقدمة خلال الندوة، سنوات من العمل في مجال مواكبة الأطفال في وضعية التوحد وتقديم خدمات تستهدف دعمهم ومساندة أسرهم.

وأكد رئيس الجمعية أن المؤسسة تعتزم مواصلة عملها في مختلف المجالات المرتبطة بمواكبة الأطفال، مع السعي إلى تعزيز إدماجهم في الأنشطة الثقافية والرياضية والفنية، باعتبارها مجالات تتيح تنمية المهارات والقدرات وتوسيع فرص المشاركة في الحياة الاجتماعية.

وضرب في هذا السياق مثالا بأحد الأطفال في وضعية التوحد الذي التحق بأحد أندية كرة القدم المخصصة لهذه الفئة، والذي يشارك في أنشطة على المستويين الوطني والدولي، في تجربة تسلط الضوء على الإمكانات التي يمكن للأطفال تطويرها متى توفرت لهم فرص التأطير والمواكبة الملائمة.

وفي ختام بيانها التوضيحي، أكدت الجمعية أن معالجة الإشكالات المرتبطة بخدمات التوحد تستدعي الاستماع إلى جميع الأطراف، والتمييز بين الخدمات المقدمة داخل المؤسسة ومتطلبات المرافقة الفردية والدمج المدرسي، مع ضرورة العمل على توفير حلول عملية تضمن استمرارية التأهيل والمواكبة، وعدم ترك الأسر وحدها في مواجهة التكاليف والصعوبات.

كما شددت على تمسكها بحقها في التوضيح والدفاع عن سمعتها، مع دعوتها إلى اعتماد الدقة في تداول المعلومات المرتبطة بعملها، وتوجيه النقاش نحو إيجاد حلول تخدم المصلحة الفضلى للأطفال في وضعية التوحد وأسرهم.

وفي المقابل، تظل حاجة الأسر إلى الحصول على معلومات واضحة بشأن الخدمات المقدمة والتكاليف وشروط الاستفادة أمرا أساسيا لتعزيز الثقة وتفادي سوء الفهم، بما يضمن احترام حق الأسر في الاستفسار وحق الجمعية في توضيح حقيقة خدماتها.

وتعيد هذه الندوة الصحفية تسليط الضوء على التحديات التي تواجه الجمعيات العاملة في هذا المجال، وعلى الحاجة إلى تعزيز الشراكات وتوسيع الدعم الموجه لخدمات التأهيل والمواكبة والإدماج، بما يضمن استمراريتها ويستجيب لاحتياجات الأطفال وأسرهم، بعيدا عن أي خلافات قد تصرف النقاش عن جوهر القضية الإنسانية والاجتماعية.

إن القضية في نهاية المطاف، لا تتعلق فقط بتبادل التوضيحات أو الرد على التصريحات، بل بضمان حق الأطفال في التأهيل والمواكبة والإدماج، وحق أسرهم في الدعم والمعلومة الواضحة، وحق المؤسسات في عرض حقيقة خدماتها بكل شفافية ومسؤولية.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *