رسالة ملكية إلى أحمد التويزي. ورئاسة اللجان الدائمة بمجلس النواب أمام اختبار المسؤولية والحياد

رصد المغرب /


بعث الملك محمد السادس برسالة تهنئة إلى أحمد التويزي، بمناسبة انتخابه رئيسا لمجلس النواب، مؤكدا ضرورة تغليب المصلحة العليا للوطن والمواطنين، والتحلي بروح المسؤولية الأخلاقية التي تفرضها المهام البرلمانية، بما يضمن الاضطلاع بهذه المسؤولية على الوجه الأمثل.

وتأتي هذه التوجيهات الملكية في سياق استكمال مجلس النواب لترتيباته التنظيمية، بعد انتخاب رؤساء اللجان الدائمة التسع خلال جلسة علنية انعقدت يوم أمس الأربعاء، في خطوة ترسم ملامح توزيع المسؤوليات داخل المؤسسة التشريعية، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العمل الرقابي والتشريعي.

ووفق المعطيات المعلنة، حصلت اللائحة الموحدة المقدمة لرئاسة اللجان على 293 صوتا من أصل 295 صوتا معبرا عنها، مقابل صوتين ملغيين، فيما سجل غياب 100 عضو، وهو ما يعكس توافقا واسعا حول تشكيل هياكل اللجان، دون أن يعني بالضرورة وجود توافق سياسي بشأن الملفات التشريعية والرقابية المرتقبة.

وشمل توزيع رئاسة اللجان الدائمة عددا من الفرق البرلمانية، حيث آلت رئاسة لجنة المالية والتنمية الاقتصادية إلى هشام المهاجري عن حزب الأصالة والمعاصرة، فيما تولت حنان الماسي عن الحزب نفسه رئاسة لجنة مراقبة المالية العامة، وهما لجنتان تكتسيان أهمية خاصة بالنظر إلى دورهما في تتبع التدبير المالي ومراقبة السياسات العمومية.

كما أسندت رئاسة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات إلى محمد غياث عن حزب التجمع الوطني للأحرار، فيما آلت رئاسة لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية إلى منصيف الطوب عن حزب الاستقلال.

وفي باقي اللجان، انتخب محمد الغراس عن الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي رئيسا للجنة الشؤون الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين بالخارج، ومصطفى إبراهيمي عن حزب العدالة والتنمية رئيسا للجنة القطاعات الاجتماعية، ومحمد الأعراج عن حزب الحركة الشعبية رئيسا للجنة القطاعات الإنتاجية.

كما تولى عبد الحق أمغار عن الفريق الاشتراكي رئاسة لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة والتنمية المستدامة، فيما أسندت رئاسة لجنة التعليم والثقافة والاتصال إلى حسن درهم عن حزب التقدم والاشتراكية.

ولا يقتصر هذا التوزيع على تقاسم المسؤوليات والمناصب، بل يمتد إلى تحديد موازين التأثير داخل المؤسسة التشريعية، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تضطلع به اللجان الدائمة في دراسة مشاريع ومقترحات القوانين، ومناقشة التعديلات، والاستماع إلى المسؤولين الحكوميين، ومتابعة تنفيذ السياسات العمومية.

وتكتسي رئاسة هذه اللجان أهمية خاصة، بالنظر إلى ما تتيحه من إمكانات لتنظيم النقاش وتدبير أشغال الاجتماعات وتحديد أولويات العمل، مع التأكيد على أن ممارسة هذه الاختصاصات تظل خاضعة للقواعد المنظمة لعمل مجلس النواب، وللتفاعل بين مختلف مكونات اللجان.

كما يعكس إسناد عدد من هذه المسؤوليات إلى أحزاب من خارج الأغلبية الحكومية استمرار حضور المعارضة داخل هياكل المؤسسة التشريعية، وهو ما يطرح تحدي ضمان التوازن بين مختلف الفرق، وتوفير شروط ممارسة الرقابة البرلمانية بفعالية، بعيدا عن منطق الحسابات الحزبية الضيقة.

وبالنسبة إلى أحمد التويزي، الذي أكد عزمه الوقوف على مسافة واحدة من الأغلبية والمعارضة، يشكل استكمال هياكل مجلس النواب أول اختبار عملي لمدى ترجمة هذا التوجه إلى ممارسة مؤسساتية قائمة على الإنصاف واحترام قواعد العمل البرلماني.

فالتوافق الذي رافق انتخاب رؤساء اللجان لا يلغي احتمال بروز اختلافات بشأن مشاريع القوانين والميزانيات والقضايا ذات الأولوية الوطنية، بل يجعل من الضروري تدبير هذه الاختلافات في إطار من النقاش الجاد والاحترام المتبادل، بما يعزز مكانة البرلمان باعتباره مؤسسة للتشريع والرقابة والتعبير عن انتظارات المواطنين.

وفي هذا السياق، تكتسب الرسالة الملكية الموجهة إلى رئيس مجلس النواب دلالة تتجاوز التهنئة بمناسبة انتخابه، لتؤكد أن المسؤولية البرلمانية تقتضي تقديم المصلحة العامة على الاعتبارات الحزبية، وربط تحمل المسؤولية بالالتزام الأخلاقي والفعالية في الأداء.

ويبقى الرهان الأساسي خلال المرحلة المقبلة هو قدرة رؤساء اللجان الدائمة على تحويل مواقعهم إلى أدوات للعمل التشريعي الجاد، والرقابة الفعلية على العمل الحكومي، والانفتاح على القضايا التي تشغل المواطنين، بما يجعل من المؤسسة التشريعية فضاءً منتجا للحلول، لا مجرد مجال لتوزيع المسؤوليات والمواقع السياسية.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *