من هدم المنازل إلى غلاء المعيشة. الغضب الاجتماعي يتصاعد والوعود الانتخابية على المحك

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /


لم تعد الأزمات التي تثقل كاهل المغاربة مجرد اختلالات عابرة يمكن التستر عليها بخطابات التطمين أو تسويقها بشعارات انتخابية براقة، بل تحولت إلى واقع يومي قاسٍ يضرب القدرة الشرائية، ويعمق الإحساس بالظلم والتهميش، ويقوض ما تبقى من ثقة المواطنين في المؤسسات. حيث من هدم المنازل وتشريد الأسر، إلى غلاء المعيشة والارتفاع المتواصل في أسعار المحروقات، مرورا ببطالة الشباب وانسداد آفاق المستقبل، تتعدد مظاهر الأزمة، لكن النتيجة واحدة، وهي مواطن يزداد إنهاكا، وحكومة مطالبة بمواجهة حصيلة لا يمكن إخفاؤها وراء البلاغات الرسمية والخطابات المنمقة.

إن أخطر ما تواجهه البلاد اليوم ليس فقط تفاقم الأوضاع الاجتماعية، بل اتساع الهوة بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي للمواطنين. حيث خلال الحملات الانتخابية، ترفع الشعارات الكبرى، وتوزع الوعود بسخاء، ويقدم للمغاربة خطاب وردي عن الإصلاح والتنمية وتحسين ظروف العيش. لكن ما إن تنتهي الانتخابات، حتى تتراجع الوعود إلى الخلف، ويجد المواطن نفسه وحيدا في مواجهة موجات الغلاء، وهشاشة الشغل، وتآكل الدخل، وتفاقم الإحساس بانعدام الإنصاف الاجتماعي.

لقد بات من المشروع طرح سؤال جوهري ومحرج، وهو ما جدوى البرامج الانتخابية إذا كانت لا تتحول إلى التزامات فعلية، وما قيمة الأغلبية الحكومية إذا لم تنعكس سياساتها على حياة المواطنين؟ إن الانتخابات ليست شيكا على بياض، وليست تفويضا مفتوحا للسيطرة على مؤسسات القرار، بل تعاقد سياسي وأخلاقي يفرض على من يتحمل المسؤولية تقديم الحساب والوفاء بالوعود، وتحمل تبعات القرارات التي تزيد معاناة الفئات الهشة والمتوسطة.

إن تحويل الحملات الانتخابية إلى مواسم لتسويق الوعود واستمالة الناخبين بهدف الظفر بالمقاعد البرلمانية وتشكيل الأغلبية الحكومية، دون التزام حقيقي بمطالب المجتمع، يمثل خطرا مباشرا على مصداقية العمل السياسي. لأن المواطن الذي يطلب منه التصويت على أمل التغيير، ثم يترك بعد ذلك في مواجهة الغلاء والبطالة والهشاشة، لن يظل إلى ما لا نهاية أسير الخطاب الدعائي. وحين تتكرر الفجوة بين الوعود والنتائج، يصبح فقدان الثقة نتيجة طبيعية لتراكم خيبات الأمل، لا مجرد موقف عابر أو احتجاج ظرفي.

والأخطر من ذلك أن استمرار هذا النهج قد يدفع قطاعات واسعة من المواطنين، خصوصا الشباب، إلى التشكيك في جدوى المشاركة السياسية برمتها، وفي قدرة الانتخابات على إحداث التغيير المنشود. حيث عندما يشعر المواطن بأن صوته لا يغير واقعه، وأن الوعود لا تترجم إلى إجراءات ملموسة، فإن الخاسر لا يكون حزبا أو حكومة بعينها فحسب، بل تخسر العملية الديمقراطية جزءا من مشروعيتها وثقة المجتمع فيها.

ومن هنا، فإن المرحلة تفرض مراجعة سياسية جادة، لا تكتفي بتبادل الاتهامات أو إطلاق شعارات جديدة، بل تضع المسؤولين أمام مسؤولياتهم الحقيقية. لأنه لا يمكن مطالبة المواطنين بالصبر إلى ما لا نهاية، ولا يمكن تبرير كل إخفاق بالظروف الاقتصادية أو الإكراهات المالية، في الوقت الذي ينتظر فيه الناس حلولا ملموسة تحفظ كرامتهم وتصون حقوقهم وتوفر لهم الحد الأدنى من العيش الكريم.

وأمام هذا الواقع، لم يعد توحيد الجهود وتشكيل جبهة اجتماعية موحدة خيارا ثانويا، بل ضرورة للدفاع عن الحقوق والحريات والكرامة والعدالة الاجتماعية. جبهة قادرة على جمع القوى الديمقراطية والنقابات والهيئات الحقوقية والمدنية، وكل الأصوات الرافضة لتحويل المعاناة الاجتماعية إلى أمر واقع، من أجل بلورة مطالب واضحة، وممارسة ضغط مدني سلمي ومسؤول، وانتزاع سياسات عمومية تضع الإنسان في صلب أولوياتها.

إن الدفاع عن الحق في السكن، والشغل اللائق، والقدرة الشرائية، والخدمات العمومية الجيدة، ليس مزايدة سياسية ولا مطلبا فئويا، بل هو جوهر أي تعاقد اجتماعي عادل. والكرامة ليست امتيازا تمنحه الحكومات متى شاءت، بل حق أصيل لا يجوز إخضاعه للحسابات الانتخابية أو المصالح الحزبية.

إن استمرار الأزمات دون حلول ملموسة، واستمرار الخطاب السياسي في ترديد الوعود نفسها دون نتائج تتناسب مع انتظارات المواطنين، قد يجعلان الحكومة الحالية أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها، بل قد يحولانها إلى محطة مفصلية في مسار تراجع الثقة بين المجتمع والطبقة السياسية. وإذا لم تتم مراجعة هذا النهج، فقد لا تكون الخسارة مقتصرة على حصيلة حكومة واحدة، بل قد تمتد إلى الثقة في المؤسسات والانتخابات باعتبارها آلية للتغيير والمحاسبة.

إن الشعوب لا تفقد ثقتها في المؤسسات بسبب صعوبة الأوضاع وحدها، بل حين تشعر بأن معاناتها لا تجد من يصغي إليها، وأن وعود المسؤولين تنتهي بانتهاء صناديق الاقتراع.

لقد حان الوقت ليتوقف منطق استدرار الأصوات، وأن يحل محله منطق الوفاء بالالتزامات وربط المسؤولية بالمحاسبة. لأن الاستمرار في تسويق الأوهام الانتخابية، بينما تتسع دائرة المعاناة الاجتماعية، لن يؤدي إلا إلى تعميق الاحتقان وتوسيع الفجوة بين المواطنين ومؤسساتهم.

إن الكرامة لا تمنح في الحملات الانتخابية، والعدالة الاجتماعية لا تختزل في البرامج المكتوبة، والثقة لا تستعاد بالشعارات، بل تبنى بالقرارات العادلة، والنتائج الملموسة، والمحاسبة الصريحة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *