من الأوليغارشية المخزنية إلى الأيديولوجية المخزنية..(المغرب يدخل النظام الدولي الأيديولوجي الجديد)

رصد المغرب / عبد المولى المروري /


ما الذي ينتظر المغرب خلال المرحلة المقبلة؟ وهل نحن أمام مجرد تغيير حكومي بُرمج له من داخل صناديق الاقتراع، أم أمام انتقال مدروس من مرحلة سياسية إلى أخرى، تختلف عنها في الوظيفة والأدوات والأهداف، ولكن تشترك معها في السلطة التي ترعاها والمصالح التي تحميها؟

لقد قلت في مقال سابق إن المغرب دخل مرحلة الأيديولوجية المخزنية، بعد أن استكملت الأوليغارشية المخزنية جانباً مهماً من وظائفها الاقتصادية والسياسية خلال حكومة أخنوش، ونجحت في ترسيخ شبكة من المصالح والامتيازات، وإعادة ترتيب العلاقة بين المال والسلطة على نحو يخدم النخب الاقتصادية المرتبطة بمراكز القرار… لذلك أقول لمن يروج لفكرة أن أخنوش فشل في مهمته وعاقبه القصر بإبعاده عن رئاسة الحزب، والحزب عاقبه الشعب بإسقاطه عن الرتبة الاولى.. أقول له إنك لا تفقه شيئا عن سياسة المخزن..

واليوم، بعد التمكين لحزب الأصالة والمعاصرة بتصدر انتخابات 23 شتنبر 2026، وتوليه رئاسة الحكومة، أرى أننا أمام انتقال من مرحلة كانت فيها الأولوية لتدبير الثروة والمصالح الاقتصادية في عهد أخنوش، إلى مرحلة ستصبح فيها الأيديولوجية والثقافة والقيم والهوية من أهم مجالات التدخل السياسي في عهد المنصوري.

لكن هذا الانتقال لا يعني أن الأوليغارشية المخزنية غادرت مواقعها، أو أنها استكملت مهامها ثم أحيلت على التقاعد السياسي والاقتصادي!!

كلا.. فالأوليغارشية لا تتقاعد ما دامت منابع الثروة مفتوحة، ومصادر الريع قائمة، ومراكز النفوذ محصنة، وما دام المال قادراً على صناعة السلطة، والسلطة قادرة على حماية المال!

إنها مرحلة يتم فيها دمج الأوليغارشية المخزنية في الأيديولوجية المخزنية.. بحيث تحتفظ الأولى بمصالحها الاقتصادية ومواقع نفوذها، وتتولى الثانية مهام إعادة تشكيل وعي المجتمع، والتدخل في قيمه وثقافته ومرجعياته الفكرية والدينية.

ولعل إسناد حقيبة الاقتصاد والمالية لفوزي لقجع، في هذه المرحلة بالذات، يحمل دلالة سياسية واقتصادية يؤكد هذا الطرح، خاصة مع اقتراب نهائيات كأس العالم 2030، وما يرتبط بها من استثمارات ضخمة وصفقات ومشاريع للبنية التحتية ستكون محتكرة من طرف فئة متنفذة داخل الدولة، خاصة مع التداخل غير المسبوق بين المال والسياسة والرياضة.

فالأوليغارشية لا يهمها كثيراً من يتحدث باسم الحكومة، ولا طبيعة الشعارات التي يرفعها، ما دامت مصالحها محفوظة، وثرواتها قابلة للتراكم، ومواقعها بعيدة عن المساءلة الفعلية.. أما الأيديولوجية، فلها شأن آخر..

حكومة أخنوش لم تكن حكومة أيديولوجية بالمعنى الذي أتحدث عنه اليوم.. كان رئيسها رجل أعمال وليس صاحب مشروع فكري أو ثقافي.. لم يكن منشغلاً بإنتاج خطاب فلسفي حول الحداثة، ولا بخوض المعارك الفكرية والدينية، ولا بإعادة تعريف هوية المجتمع..

كان عالم أخنوش السياسي يدور أساساً حول الاقتصاد والاستثمار والمقاولة والمال.. وهي المجالات التي تنسجم مع طبيعة الأوليغارشية الاقتصادية التي شكلت حكومتُه تعبيراً سياسياً عنها.. حيث كان رئيسها آنذاك ينأى بنفسه عن تلك القضايا المعقدة وإشكالاتها وسجالاتها الأيديولوجية، تاركا المهمة لوزير العدل وهبي.. وهذا بخلاف فاطمة الزهراء المنصوري التي أعطت تصريحات سابقة تعبر فيها عن رؤيتها للإسلام والدين وعلاقته بالسياسة..

إلا أن هذه المرحلة لم تخل من اختبارات ذات طبيعة قيمية وتشريعية، كان أبرز وجوهها وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي أثار بسجالاته ومبادراته التشريعية نقاشات حادة حول الأسرة والحريات الفردية والعلاقات الاجتماعية والمرجعيات الأخلاقية.

كان الوزير – المنتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة- يؤدي وظيفة سياسية تتجاوز حدود تدبير قطاع العدل.. وظيفة يمكن قراءتها باعتبارها اختباراً لمدى استعداد المجتمع لتقبل تحولات قيمية جديدة قادمة، واختباراً موازياً لقدرة القوى الدينية والثقافية والحقوقية على الاعتراض عليها ومقاومتها.

وكأن الوزير – خلال تلك المرحلة – تحول إلى فأر تجارب سياسي، تُختبر من خلاله ردود أفعال المجتمع، وتُقاس درجة حساسيته تجاه قضايا الأسرة والدين والقيم والحريات..

وهناك لابد أن نستحضر شكل ومضمون تدبير الحقل الديني خلال المرحلة نفسها، من تضييق على الخطباء، وتأميم خطب تفتقد إلى المعنى والروح.. وغريبة عن السياق الذي تُتلى فيه، والإنفاق السخي على الأضرحة المواسم التي تعرف بدعا لا تحصى وانحرافا في تزايد مستمر.. ناهيك عن بعض التصريحات الغريبة عن تصور الإسلام ومنهجه وروحه.. والأخطر منها دائما هو التطبيع الديني الذي يتزايد يوما بعد يوم.. مما يؤشر عن توجه نحو ترسيخ وتعميق هذه المشاريع في قادم الأيام..

لذلك فاليوم، نحن أمام وضع مختلف.. فحزب الجرار ليس حزب رجال الأعمال كما هو الشأن بالنسبة لحزب الحمامة، ولا مجرد تجمع للأعيان وأصحاب المصالح الانتخابية، وإن كان هؤلاء يشكلون جزءاً مهماً من تركيبته التنظيمية والاجتماعية.. إنه حزب نشأ في سياق سياسي ارتبط بمواجهة صعود الإسلاميين، واحتضن منذ تأسيسه تيارات وشخصيات تنتمي إلى مرجعيات يسارية وحداثية مختلفة تعلن خصومتها الصريحة مع المرجعية الإسلامية، وتعمل إلى جانب الأعيان والنخب الإدارية والاقتصادية.

وهذا التركيب المزدوج هو ما يستحق الانتباه.. فهناك من يتولى تدبير المصالح الانتخابية والاقتصادية والمالية حتى المشبوهة منها، وشبكات النفوذ المحلي، وهناك من يخوض المعارك الفكرية والثقافية والأيديولوجية، ويمنح الحزب لغته الحداثية وخطابه السياسي.

 هذا التحليل ليس مجرد قراءة في تاريخ الحزب أو استنتاج من مرجعيته.. فنوعية الحقائب الوزارية الخاصة بهذا الحزب في التشكيلة الحكومية تستحق التأمل والتوقف عندها طويلا نظرا لما تحمله من دلالات تعطينا صورة واضحة عن المستقبل الذي يُراد للمغرب..

رئاسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري.. والعدل لعبد اللطيف وهبي.. والثقافة لمحمد المهدي بنسعيد.. والأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة لنجوى كوكوس.. وكلهم من حزب الاصالة والمعاصرة..

فهل يتعلق الأمر بمجرد توزيع عادي للحقائب بين مكونات الأغلبية، أم إننا أمام تمكين سياسي لتيار بعينه من أهم القطاعات التي تتدخل في صياغة القوانين، وتنظيم العلاقات الأسرية، وإنتاج الثقافة، والتأثير في القيم والوعي المجتمعي؟

بالنسبة إليّ، فإن هذا التوزيع يعزز ما ذهبت إليه (في مقال سابق) بشأن الانتقال إلى مرحلة الأيديولوجية المخزنية.. فهذه قطاعات تتصل مباشرة بالإنسان، في أسرته وعلاقاته الاجتماعية، وفي ثقافته وحقوقه وحرياته.

وإذا كان وهبي قد أدى خلال المرحلة السابقة دوراً مثيراً للجدل في اختبار ردود أفعال المجتمع تجاه بعض التحولات التشريعية والقيمية، فإن استمراره في وزارة العدل، تحت رئاسة حزبه للحكومة، يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل انتهت مرحلة الاختبار، وبدأت مرحلة التنفيذ؟ وهنا تحديداً أرى خطورة المرحلة الحالية..

فحين تجتمع السلطة السياسية مع النفوذ الاقتصادي، وتضاف إليهما أدوات التأثير الثقافي والتشريعي والإعلامي، فإننا لا نكون أمام مجرد حكومة تدبر الشأن العام، وإنما أمام منظومة (السلطة – المال – الثقافة) تسعى إلى إعادة إنتاج السلطة بمضمون آخر، ليس فقط عبر المؤسسات والانتخابات والمال، بل عبر التأثير في وعي المجتمع وقيمه وتصوراته عن نفسه ومستقبله.

إن أخطر أشكال الاستبداد (كما يقول علم الاجتماع السياسي) لا يجب أن نختزله دائما عندما يُمنع الإنسان من الكلام، وإنما كذلك عندما يكون الهدف هو التأثير في طريقة تفكيره، وتحديد ما ينبغي أن يعتبره حقاً أو باطلاً، تقدماً أو تخلفاً، حرية أو رجعية.. أي السيطرة على طرق تفكيره..

غير أن من الخطأ أن نقرأ هذه التحولات المحتملة في المغرب بمعزل عما يجري في محيطه الإقليمي والدولي.. فالأنظمة السياسية لا تتحرك في فراغ، ولا تصوغ اختياراتها الاقتصادية والثقافية والأيديولوجية بمعزل عن موازين القوة الدولية، ولا عن التحالفات والمصالح التي تربطها بمراكز النفوذ العالمي.

وإذا كانت العولمة الاقتصادية قد فتحت حدود الدول أمام حركة الأموال والاستثمارات والشركات العابرة للقارات، فلماذا نستبعد أن تمتد العولمة السياسية والأيديولوجية إلى منظومة القيم والثقافة والتشريع والتعليم والدين؟ ولماذا نفترض أن التحالفات الدولية تتوقف عند المصالح العسكرية والاقتصادية، ولا تتجاوزها إلى التأثير في المرجعيات الفكرية والثقافية للمجتمعات؟

هنا تحديداً ينبغي أن نوسع زاوية النظر.. فما أراه يتشكل في المغرب لا أعتبره بالضرورة ظاهرة مغربية خالصة، بل أقرأه ضمن تحولات تعرفها دول عربية وإسلامية أخرى، تتقاطع في بعض اتجاهاتها وإن اختلفت ظروفها وأدواتها.. وهي تحولات تدفعني إلى الحديث عما أسميه «النظام الدولي الأيديولوجي الجديد».

وأقصد بهذا المفهوم تشكل منظومة من التحالفات والتقاطعات السياسية والثقافية والدينية، تسعى إلى إعادة ترتيب العلاقة بين المجتمعات الإسلامية ومرجعياتها التاريخية، وبين هذه المجتمعات وموازين القوة الدولية، وخاصة في ما يتعلق بالمشروع الصهيوني وموقع كيان الاحتلال في المنطقة.

فما الذي يقع في أذربيجان مثلاً؟

لقد أثارت القيود المفروضة على الحجاب في المدارس احتجاجات واعتراضات، في بلد ذي أغلبية مسلمة، بينما تقدم السلطات هذه الإجراءات باعتبارها تطبيقاً لقواعد التعليم العلماني والزي المدرسي.

وما الذي يجري في الكويت؟ حيث تتدخل وزارة الأوقاف في إعداد وتوجيه خطب الجمعة؟ ويبدو أنها على خطى المغرب في ذلك..

ثم ماذا عن المملكة العربية السعودية، وما تعرفه من تحولات ثقافية وترفيهية واسعة، وما تثيره من نقاش حول العلاقة بين التحديث الاقتصادي والتحول الاجتماعي والديني؟ وكأنها تتنافس مع المغرب في المهرجانات والأنشطة الترفيهية التافهة..

وماذا عن الإمارات والبحرين ومصر وتونس وموريتانيا، وغيرها من الدول التي تتفاوت فيها أشكال تدخل السلطة في المجال الديني والثقافي، وتختلف فيها طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين التحديث والحريات والهوية؟ وعلاقة كل ذلك بالمشروع الصهيوني الذي يعمل على اختراق العالمين العربي والإسلامي من خلال منظومة القيم والتشريعات والقوانين..؟

لا أضع هذه الدول كلها في سلة واحدة، ولكنني أرى أن المقارنة بينها أصبحت ضرورية لفهم اتجاهات التحول في العالمين العربي والإسلامي.

وهنا ينبغي الانتباه إلى مسألة أشد ارتباطاً بالتحولات الدولية.. إن العلاقة بين المشروع الصهيوني وبعض تيارات اليمين المسيحي الأمريكي والأوروبي ليست مجرد فرضية سياسية عابرة، بل لها جذور فكرية وتنظيمية وتاريخية معروفة، وتجليات واضحة في المواقف المؤيدة لكيان الاحتلال، وخاصة لدى التيارات المسيحية الصهيونية الإنجيلية.

وقد ظهرت هذه العلاقة بقوة في عهد دونالد ترامب، من خلال المواقف المتعلقة بالقدس، والدعم السياسي للاحتلال، والحضور المؤثر لشخصيات وتيارات دينية محافظة تعتبر مساندة الكيان الغاصب جزءاً من تصوراتها الدينية والسياسية.

وهذا ما يدفع إلى الاعتقاد أننا أمام مشروع أيديولوجي دولي تتوسع وظائفه تدريجياً من حماية الكيان المحتل سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، إلى تعزيز حضوره الثقافي والرمزي داخل المجتمعات العربية والإسلامية.. وهذا هو ما يجب التنبيه إليه والتحذير منه..

وإذا كان التطبيع السياسي والدبلوماسي والاقتصادي قد قطع أشواطاً متفاوتة في عدد من الدول في مقدمتها المغرب، فإن المرحلة المقبلة قد تعرف انتقالاً إلى أشكال أعمق من التطبيع الثقافي والأيديولوجي، بحيث لا يعود المطلوب مجرد إقامة علاقات رسمية مع الكيان، بل إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي تجاهها، وتجاه القضية الفلسطينية، وتجاه المرجعيات التي ظلت تؤطر الموقف الشعبي منها بالشكل الذي يؤدي إلى خفض منسوب التعاطف مع القضية الفلسطينية.. والتخفيف من حدة الممانعة الشعبية ضد التطبيع.. بل والدفع في اتجاه القبول الشعبي بالاحتلال الصهيوني لفلسطين..

وقد سبق لي أن عبرت عن هذا التخوف في مقال عرف انتشارا واسعا تحت عنوان «من مغرب الصهيونية إلى صهينة المغرب»..

إنني أرى أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة إخراج قوانين ومشاريع ظلت مؤجلة، أو موضع خلاف مجتمعي، في انتظار شروط سياسية أكثر ملاءمة لتمريرها.

قوانين تتعلق بالأسرة والعلاقات الاجتماعية والحريات الفردية، ومناهج تعليمية جديدة، وتوجهات ثقافية وإعلامية، وسياسات دينية قد يعاد من خلالها تحديد العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المرجعية الإسلامية والتشريع، وبين الحرية الفردية والهوية الجماعية.

ولعل ما يزيد من خطورة هذه المرحلة أنها تأتي في سياق عرف محاولات متكررة لإعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والمؤسسات الوسيطة، ولا سيما الصحافة والمحاماة والمنظمات الحقوقية.. والعديد منها نجحت مع نهاية ولاية أخنوش..

فحين يضعف استقلال الإعلام والسيطرة على المجلس الوطني للصحافة والإعلام، وتتقلص قدرة المحاماة على أداء وظائفها الدفاعية بفرض قانون معيب وبطريقة يغلب عليها التحايل والتعسف، وتتراجع فعالية المنظمات الحقوقية وجمعيات المجتمع المدني ومنعها من حقها الدستوري في وضع شكايات ضد الدولة ورجالاتها المتورطين في شبهات مالية واختلالات تدبيرية، وعندما تصبح الأحزاب عاجزة عن ممارسة رقابة سياسية حقيقية، وأحزاب المعارضة منشغلة بمعارضة بعضها البعض، فإن المجتمع يفقد بالتدريج جزءاً من أدواته الضرورية لمراقبة السلطة ومساءلتها.

لذلك فإني أرى أن المغرب مقبل على مرحلة قد تكون من أكثر مراحله حساسية من الناحية الثقافية والقيمية والمؤسساتية، وللأسف الشديد، وأمام هذه الوضع الذي يتطور نحو الخطورة، نجد جزءاً مهماً من النقاش السياسي منشغلاً بصراعات المعارضة داخل مجلس النواب، وبالمناوشات بين العدالة والتنمية وتحالفات اليسار، وبمحاولات كل طرف إثبات أنه الأحق بصفة المعارضة والأكثر صدقية في ممارستها.. وكأن المعارضة أصبحت تعارض المعارضة، بما يشبه لعب الصغار على قارعة الطريق.. بينما السلطة تواصل عملها في ثقة وإصرار!!

وهنا لا بد أن أطرح سؤالاً آخر أمام هذه التطورات القادمة.. أين علماء الدين والشريعة من هذه التحولات المحتملة التي من المحتمل أن تستهدف الدين والقيم؟

وأقصد العلماء الذين يفترض أن تكون لهم القدرة على الاجتهاد في قضايا المجتمع الكبرى، وأولئك الذين ينحصر اهتمامهم في مسائل التبول واقفاً، وتحريك السبابة، والقبض والسدل، وغيرها من المسائل الفقهية التي استهلكت من النقاش أكثر مما تستحق في بعض المنابر! فهؤلاء للأسف الشديد يعيشون عالما دون عالمنا.. وواقعا غريبا عن واقعنا..

بطبيعة الحال، أنا لا أستهين بهذه المسائل من حيث موضوعها الفقهي، ولكنني أستغرب أن يشتد الجدل وتكثر مقاطع اليوتيوب لبعض الوجوه المشهورة بإثارة هذه الجزئيات والحديث عن مناقب بعض الشخصيات الإسلامية التاريخية، بينما تمر قضايا كبرى تتعلق بالأسرة والتربية والهوية والعدالة والحرية دون نقاش علمي واجتماعي بالمستوى الذي تستحقه من طرف هؤلاء الفقهاء.

وأين المثقفون والمفكرون والجامعيون؟ وأين الأحزاب التي تزعم الدفاع عن الهوية؟ وأين المنظمات الحقوقية التي ينبغي أن تدافع عن حرية الإنسان في الاعتقاد والتعبير والاختيار، سواء اتفقت مع قناعاته أم اختلفت معها؟

إننا ندخل مع هذه الحكومة إلى مرحلة من نوع خاص.. مرحلة تعلو فيها الأيديولوجيا.. وتتمكن فيها الأوليغارشية.. وتتسع فيها سلطة الدولة على المجتمع.. ويهيمن العقل الأمني على المشهد العام تحسبا لأي انفلات أو احتجاج أو حراك..

وأخوف ما أخافه أن ينشغل الساسة، مرة أخرى، بلعب الصغار.. وبمعارك الأحزاب حول المواقع والكراسي والشعارات، والمعارضة التي تعارض المعارضة كأسلوب إلهاء جديد.. بينما تقع التحولات الكبرى في مكان آخر، بعيداً عن أعين المجتمع ورقابته.. لكنها حاضرة ومؤثرة في حاضره ومستقبله..

وحين يستفيق الجميع، قد يكتشفون أن المعركة لم تكن حول من يجلس على كرسي الحكومة، وإنما حول من يملك حق إعادة ترتيب عقول الناس وقيمهم ومصيرهم.. وأن الأوليغارشية لم تغادر المشهد.. بل كانت تفسح مكاناً للأيديولوجية كي تجلس إلى جانبها.. فتتقاسمان الأدوار.. وتبقى سلطة المخزن فوق الجميع!!

لقد نجحت الأوليغارشية المخزنية في تحقيق العديد من أهدافها التي ألحقت بالشعب المغربي أضرارا كبيرة.. وقد أسفر المخزن الأيديولوجي عن وجهه في هذه المرحلة.. فهل سينجح في تمرير مشاريعه؟ أم سيواجه معارضة شعبية تحول دون ذلك؟

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *