الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقا جديدة للعدالة ويطرح تحديات حقوقية وقانونية

رصد المغرب /


أكد رئيس النيابة العامة، خلال افتتاح دورة تكوينية حول «الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان» بمدينة فاس، أن توظيف التقنيات الحديثة في مجال العدالة الجنائية يتيح فرصا واعدة لتطوير أساليب البحث والتحري وتحليل الأدلة الرقمية ومكافحة الجرائم السيبرانية، لكنه يفرض في المقابل ضرورة احترام حقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة.

وشدد المسؤول القضائي، خلال افتتاح أشغال الدورة التكوينية الأولى من نوعها، المنظمة من طرف رئاسة النيابة العامة بدعم من مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، على أهمية الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي في الرفع من نجاعة العدالة وجودة أدائها، مع التقيد بمبدأ المشروعية وصون الحقوق والحريات الأساسية.

وأوضح أن استخدام الأنظمة الذكية في المجال القضائي يثير مجموعة من الإشكالات المرتبطة بدقة النتائج وإمكانية التحقق منها، وحماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية، فضلا عن مخاطر التمييز والمساس بضمانات المحاكمة العادلة.

وفي هذا السياق، دعا رئيس النيابة العامة إلى إخضاع مخرجات الذكاء الاصطناعي للفحص والتقييم النقدي، وعدم التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية، مع ضرورة التمييز بين المؤشرات التقنية والأدلة المقبولة قانونا، والتحقق من مصدر الأدلة الرقمية وسلامتها ومشروعية الحصول عليها ومدى موثوقية الأدوات المستخدمة في تحليلها.

كما أكد أن اعتماد هذه التكنولوجيا يجب ألا يمس بقرينة البراءة أو الحق في الدفاع أو استقلال التقدير القضائي، مشددا على أهمية الإشراف البشري الفعلي، وتحديد المسؤوليات، وتوفير ضمانات المساءلة وتصحيح الأخطاء، بما يضمن توظيف التكنولوجيا لخدمة القانون والعدالة، دون أن تحل الآلة محل التقدير القضائي.

واستحضر المسؤول القضائي عددا من المرجعيات الدولية المؤطرة لحكامة الذكاء الاصطناعي، من بينها توصية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لسنة 2021، ومبادئ منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لسنة 2019، والاتفاقية الإطارية لمجلس أوروبا بشأن الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون لسنة 2024، مؤكدا أهمية الشفافية والمساءلة ومكافحة التمييز واعتماد مقاربة قائمة على تقييم المخاطر.

وعلى مستوى تطوير عمل النيابة العامة، أبرز رئيسها أن مواكبة التحول الرقمي تشكل أحد التوجهات الاستراتيجية للمؤسسة خلال الفترة 2026-2028، بهدف تحديث أساليب العمل وتأهيل الموارد البشرية والارتقاء بجودة الخدمات القضائية، من خلال إدماج التكنولوجيا الحديثة في الممارسة القضائية.

وأشار إلى أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل كميات كبيرة من المعطيات ودعم الأبحاث المتعلقة بالجرائم السيبرانية والاحتيال المالي وبرمجيات الفدية والجريمة المنظمة يظل مشروطا باحترام الاختصاصات القانونية للنيابة العامة، وضمان قانونية إجراءات البحث والتحري، وصون سلامة الأدلة الرقمية وموثوقيتها.

كما شدد على ضرورة التقيد بمقتضيات قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23، الذي دخل حيز التنفيذ في 8 دجنبر 2025، باعتباره الإطار القانوني المنظم لإجراءات البحث والتحري وجمع الأدلة وممارسة الدعوى العمومية.

وتندرج هذه الدورة التكوينية، التي يؤطرها خبيران دوليان متخصصان في الذكاء الاصطناعي، ضمن برنامج تعزيز قدرات القضاة في مجال حقوق الإنسان، وتنزيلا للمخطط الاستراتيجي لرئاسة النيابة العامة للفترة 2026-2028.

ويتضمن البرنامج محاور تهم المفاهيم الأساسية للذكاء الاصطناعي، وحكامة استخدامه على المستوى الدولي، وانعكاساته على الحقوق والحريات، فضلا عن تطبيقاته في الأبحاث الجنائية وتحليل الأدلة الرقمية ومكافحة الجرائم السيبرانية.

ويروم هذا التكوين تعزيز قدرات المسؤولين القضائيين بالنيابة العامة، وتمكينهم من الاطلاع على التجارب المقارنة والممارسات الفضلى، وتعميق فهمهم للتحديات التقنية والقانونية والحقوقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في مجال العدالة الجنائية، بما يسهم في تطوير الممارسة القضائية وترسيخ حماية حقوق الإنسان.

واختتمت الكلمة الافتتاحية بالتنويه بدعم مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن ومساهمته في تنفيذ هذا البرنامج، مع التأكيد على أهمية مواكبة التحولات الرقمية بما يعزز فعالية العدالة ويضمن صون الحقوق والحريات.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *