رصد المغرب / نورالدين المينور /
لم تكن التساقطات المطرية التي شهدتها مدينة ميدلت سوى اختبار جديد كشف، مرة أخرى، هشاشة البنية التحتية وضعف تدبير الشأن المحلي، بعدما تحولت شوارع وممرات إلى برك مائية وأوحال تعرقل حركة المواطنين، في مشهد يعيد إلى الواجهة سؤال المسؤولية السياسية للمجلس الجماعي، الذي يبدو عاجزا عن تقديم حلول عملية لمعاناة تتكرر مع كل موسم أمطار.
ويقدم شارع العراقي بحي تداوت صورة واضحة عن هذا الاختلال، باعتباره ممرا حيويا لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد طريق ثانوي أو هامشا منسيا داخل المدينة. حيث هذا الشارع يؤدي إلى السوق الأسبوعي، المعروف بسوق الأحد، الذي يشكل أحد الأنشطة الاقتصادية الأساسية بالمنطقة، كما يربط السكان بعدد من المؤسسات التعليمية، من بينها ثانوية مولاي يوسف ومدارس أخرى، ما يجعل وضعه المتردي مشكلة يومية تمس المواطنين والتجار والتلاميذ والطلبة على حد سواء.
ومع هطول الأمطار، يجد مستعملو هذا المحور أنفسهم أمام واقع لا يليق بمدينة يفترض أن تكون جماعتها مسؤولة عن توفير الحد الأدنى من شروط التنقل الآمن والسلس. حيث بدلا من أن تكون الطرقات وسيلة لتسهيل الحياة اليومية، تتحول إلى عائق إضافي أمام التلاميذ والطلبة الذين يواجهون صعوبات في الوصول إلى مؤسساتهم التعليمية، وأمام المواطنين المتوجهين إلى السوق الأسبوعي لقضاء أغراضهم أو مزاولة أنشطتهم التجارية.
المشكلة ليست في الأمطار، بل في غياب الاستعداد والتدبير الاستباقي. لأن التساقطات ظاهرة طبيعية، أما تحول الشوارع إلى مستنقعات، وتكرار المشهد نفسه كل سنة، فذلك يطرح أسئلة جدية حول جودة الأشغال المنجزة، ومدى نجاعة صيانة الطرقات، ووجود رؤية واضحة لمعالجة النقاط السوداء التي تتضرر مع كل تساقطات مطرية.
والأكثر إثارة للقلق أن معاناة المواطنين لا تقتصر على شارع العراقي، بل تمتد إلى طرقات أخرى تنتشر فيها الحفر وتظل، بحسب ما يشتكي منه السكان، دون إصلاح فعلي إلى أن تقترب المواعيد الانتخابية، حيث تعود بعض الأوراش إلى الواجهة وتستعيد الطرقات مكانتها في الخطاب السياسي والوعود الانتخابية.
وهنا يبرز السؤال السياسي الذي لا يمكن للمجلس الجماعي الهروب منه، وهو أين هي حصيلة التدبير المحلي؟ وأين هي البرامج التي يفترض أن تحمي المدينة من تكرار الأزمات نفسها؟ وهل أصبحت صيانة الطرقات ومعالجة مشاكل تصريف مياه الأمطار مجرد ملفات مؤجلة، لا تتحرك إلا تحت ضغط الشكاوى أو مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية؟
إن تدبير الشأن المحلي لا يقاس بعدد الاجتماعات المنعقدة ولا بحجم الوعود المعلنة، بل بمدى انعكاس القرارات على حياة المواطنين. والمواطن في ميدلت لا يحتاج إلى خطابات منمقة بقدر حاجته إلى طريق صالحة، وممر آمن، وبنية تحتية قادرة على الصمود أمام تساقطات مطرية عادية، دون أن تتحول كل موجة مطر إلى أزمة جديدة.
وأما استمرار هذا الوضع، فيفتح الباب أمام مساءلة سياسية حقيقية للمجلس الجماعي، ليس من باب المزايدة، بل من منطلق الحق في معرفة ما أُنجز وما تعثر، وما إذا كانت الأولويات التنموية للمدينة تنسجم فعلا مع حاجيات سكانها، أم أن التدبير ما زال حبيس حلول ترقيعية لا تعالج جذور المشكل.
لقد عانت ميدلت، على امتداد تعاقب المجالس الجماعية، من اختلالات تنموية يشتكي منها السكان، وظلت بعض المشاكل اليومية تتكرر دون حلول مستدامة. واليوم، لم يعد مقبولا أن تبقى الطرقات محفرة، وأن تتحول الشوارع إلى برك مائية، وأن يجد التلاميذ والطلبة أنفسهم في مواجهة أوحال تعرقل مسارهم الدراسي، بينما تظل المسؤولية السياسية غائبة عن أي تقييم جدي أمام الرأي العام.
إن ساكنة ميدلت لا تطالب بالمستحيل، بل تطالب بحقوق أساسية تدخل في صلب اختصاصات التدبير المحلي، وهي طرقات سليمة، وتصريف فعال لمياه الأمطار، وصيانة منتظمة، وبرامج واضحة لا ترتبط بمواسم الانتخابات.
فإلى متى ستظل ميدلت تدفع ثمن التدبير غير الفعال؟ وإلى متى ستبقى شوارعها وممراتها رهينة حلول موسمية، فيما تتراكم الحفر وتترك معاناة المواطنين دون معالجة جذرية؟
إن شارع العراقي بحي تداوت ليس مجرد نقطة متضررة من الأمطار، بل عنوان لملف تنموي يستحق فتحه ومساءلة المسؤولين عنه. والمطلوب اليوم ليس تبرير الوضع، بل تحرك ميداني عاجل، وبرنامج واضح لإصلاح الطريق ومعالجة تصريف المياه، مع تقديم توضيحات للرأي العام بشأن آجال التنفيذ ومصادر التمويل.
إن المجالس الجماعية لا تنتخب لتدبير الأزمات بعد وقوعها فقط، بل لمنع تحول المشاكل المتكررة إلى واقع دائم. وميدلت تستحق تدبيرا يشتغل طوال الولاية الانتدابية، لا حضورا موسميا يتزامن مع الحملات الانتخابية.
شارك المقال






















Leave a Reply