رصد المغرب / عبد العالي بريك /
في الوقت الذي يشكل فيه معرض الصناعة التقليدية بفضاء فان زون بفاس مناسبة للاحتفاء بالمهارات الحرفية المغربية والتعريف بغنى الموروث الثقافي الوطني، تبرز أصوات مهنية من داخل القطاع لتحذر من مستقبل بعض الحرف الأصيلة التي باتت تواجه خطر الاندثار، وفي مقدمتها صناعة الزليج البلدي والفخار التقليدي.
وفي حوار صحفي مع جريدة «رصد المغرب»، عبر المعلم عبد اللطيف هيسوس، المتخصص في صناعة الزليج البلدي والفخار، عن قلقه الشديد إزاء ما وصفه بالتهميش الذي يطال هذا القطاع، مشيرا إلى أن هذه الحرف العريقة التي توارثها الصناع جيلا بعد جيل أصبحت تعاني نقصا حادا في اليد العاملة المتخصصة، في ظل ضعف الاهتمام بالتسويق والتعريف بها إعلاميا.
وأكد هيسوس أنه مارس حرفة الزليج البلدي منذ طفولته، وتعلم أسرارها عن معلمه الراحل، الذي نقل إليه خبرة متراكمة عبر سنوات طويلة، معتبرا أن ما يحمله الصناع التقليديون من مهارات ومعارف ليس مجرد ممارسة مهنية، وإنما رصيد ثقافي وحضاري يمتد لمئات السنين ويستحق الحماية والتثمين.
ولم يخف المتحدث استياءه من ضعف مواكبة الإعلام العمومي الرسمي لمعرض الصناعة التقليدية بفان زون، مسجلا غيابا شبه تام لهذا الإعلام طيلة أيام المعرض، في الوقت الذي تحظى فيه مهرجانات فنية وأنشطة ثقافية أخرى بتغطية إعلامية واسعة، وهو ما يطرح، بحسب تصوره، تساؤلات حول موقع الصناعة التقليدية ضمن أولويات الترويج الإعلامي الوطني.
وشدد على أن التسويق الإعلامي لهذا الموروث لا ينبغي أن يظل محدودا أو موسميا، بل يتطلب استراتيجية واضحة للتعريف بالزليج البلدي والفخار المغربي، وإبراز قيمتهما الفنية والاقتصادية والحضارية، إلى جانب العمل على عقد شراكات وطنية ودولية وإفريقية تفتح آفاقا جديدة أمام الصناع التقليديين ومنتوجاتهم.
كما دعا إلى إدماج هذه الحرف في البرامج التعليمية والتكوينية، من خلال تعريف التلاميذ والطلبة بها داخل المؤسسات التعليمية والجامعات ومراكز التكوين المهني، حتى تتاح للأجيال الجديدة فرصة اكتساب هذه المهارات وضمان استمرارها، عوض أن تتحول إلى مجرد ذاكرة من الماضي.
وأضاف أن الزليج البلدي والفخار الأصيل حاضران في تفاصيل الحياة المغربية، من المنازل والرياضات السياحية والفنادق إلى الحمامات والفضاءات التي تعكس الهوية المعمارية والثقافية للمملكة، الأمر الذي يجعل المحافظة عليهما مسؤولية جماعية تتجاوز حدود الصناع وحدهم.
وفي ختام تصريحه، دعا عبد اللطيف هيسوس جميع الشركاء والمهتمين والجهات المختصة إلى تضافر الجهود من أجل إنقاذ هذا القطاع وإعادة الاعتبار إليه، والعمل بالتوجيهات الملكية السامية الرامية إلى النهوض بالصناعة التقليدية وصون الموروث الوطني، معبرا عن أمله في أن تستعيد هذه الحرف بريقها وإشعاعها جهويا ووطنيا ودوليا.
إن التحذيرات التي أطلقها هذا المعلم الحرفي من قلب معرض فان زون بفاس تفتح نقاشا مشروعا حول مستقبل الصناعة التقليدية، وحول مدى قدرة المؤسسات المعنية والإعلام العمومي على مواكبة الصناع والتعريف بإبداعاتهم. فحماية التراث لا تتحقق بالاحتفاء به في المناسبات فقط، وإنما بضمان استمراره ونقل أسراره وخبراته إلى الأجيال القادمة، قبل أن نفقد أيادي أتقنت صناعة لا يمكن تعويض أصالتها.
شارك المقال























Leave a Reply