فاس تحتفي بصناع الزليج البلدي والفخار. تكريم ذاكرة الحرفة الأصيلة ورسائل قوية حول مستقبل الصناعة التقليدية والصحراء المغربية

رصد المغرب / عبد العالي بريك /


في أجواء احتفالية امتزجت فيها أصالة التراث المغربي بروح الاعتراف والعرفان، احتضنت قاعة الندوات بفضاء فان زون بفاس، مساء أمس الجمعة، لقاء تواصليا خصص لتقييم حصيلة معرض الصناعة التقليدية، وتسليط الضوء على مكانة الصناع التقليديين ودورهم في صيانة الموروث الثقافي والحضاري للمملكة، لاسيما حرفة الزليج البلدي والفخار الأصيل.

واستهلت المناسبة بحفل غذاء على إيقاعات الموسيقى الأندلسية الممزوجة بفنون العيساوة، في أجواء عكست غنى وتنوع التراث الفني المغربي، قبل أن تنطلق أشغال اللقاء بعد الزوال، بحضور عدد من المسؤولين والفاعلين والمهنيين وممثلي قطاع الصناعة التقليدية.

وشهد اللقاء مداخلات لكل من السيد الناجي الفخاري، رئيس غرفة الصناعة التقليدية لجهة فاس مكناس، والسيد بلخياط، المدير الجهوي للصناعة التقليدية، إلى جانب مداخلات أخرى، تناولت حصيلة المعرض وآفاق تطوير القطاع وتعزيز مكانة الحرف التقليدية.

ومن أبرز اللحظات المؤثرة التي ميزت هذا اللقاء، تنظيم تكريم خاص لعدد من المعلمين والصناع التقليديين الذين رحلوا إلى دار البقاء، بعدما أفنوا سنوات طويلة من أعمارهم في خدمة حرفة الزليج البلدي والفخار، تاركين وراءهم إرثا مهنيا وإنسانيا تناقلته الأجيال.

وشمل هذا الالتفات أيضا استحضار عطاء المعلمين الذين بلغوا سن التقاعد وكبروا في السن، لكنهم ما زالوا يقدمون خبراتهم واستشاراتهم للأجيال الجديدة، فضلا عن الإشادة بأولئك الذين ساهموا في تعليم هذه الحرفة لأبنائهم وللمستخدمين والمتدربين الذين اشتغلوا إلى جانبهم، ليصبحوا بدورهم حاملي مشعل هذه الصناعة الأصيلة.

وقد شكل توزيع تذكارات على عائلات الصناع والمعلمين الراحلين لحظة وفاء واعتراف بما قدمه هؤلاء الرجال للحفاظ على حرفة متجذرة في التاريخ المغربي منذ مئات السنين.

وفي مداخلته، تقدم السيد الناجي الفخاري، رئيس غرفة الصناعة التقليدية، بالشكر إلى جميع المساهمين والعارضين والصناع التقليديين الذين ساهموا في إنجاح هذه التظاهرة، كما نوه بدعم ولاية جهة فاس مكناس للصناع التقليديين، وبمواكبتها للقطاع والعمل على تبسيط المساطر المرتبطة به.

ولم يفت المتحدث التعبير عن تقديره لعائلات المعلمين والصناع الذين رحلوا عن الدنيا، مستحضرا ما قدموه من تضحيات ومجهودات للحفاظ على هذا الموروث، داعيا الصناع والعارضين إلى مواصلة تعليم الشباب وتكوينهم، حتى يتمكنوا من حمل مشعل الصناعة التقليدية وضمان استمرارية الحرف الأصيلة، وفي مقدمتها الزليج البلدي والفخار.

كما تطرق في سياق مداخلته إلى المستجدات المرتبطة بقضية الصحراء المغربية، مشيدا بما اعتبره نجاحات وانتصارات متوالية للمملكة تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، وبالتطورات المرتبطة بمقترح الحكم الذاتي.

من جانبه، توقف السيد بلخياط، المدير الجهوي للصناعة التقليدية، عند حصيلة المعرض وما وصفه بالنجاح الذي تحقق بفضل تضافر جهود مختلف المتدخلين والشركاء، مشيرا إلى أهمية الشراكات الإفريقية التي تجسدت من خلال حضور ممثلي البعثات الدبلوماسية الإفريقية، وما تتيحه من فرص للتعاون وتبادل الخبرات في مجال الصناعة التقليدية.

IMG-20261107-WA0054-300x224 فاس تحتفي بصناع الزليج البلدي والفخار. تكريم ذاكرة الحرفة الأصيلة ورسائل قوية حول مستقبل الصناعة التقليدية والصحراء المغربية

كما استحضر في مداخلته قضية الصحراء المغربية، مؤكدا أهمية التشبث بالثوابت الوطنية والالتفاف حول المؤسسة الملكية، ومتطرقا إلى عدد من المحطات المرتبطة بهذا الملف.

وخصص المدير الجهوي جانبا من حديثه للترحم على المعلمين والصناع الذين أفنوا أعمارهم في خدمة حرفة الزليج البلدي والفخار، معتبرا أن الحفاظ على ما تركوه من خبرة وتجربة مسؤولية تستوجب مواصلة العمل من أجل ضمان انتقال هذه الحرف من جيل إلى جيل.

ومن أبرز المداخلات التي طبعت هذا اللقاء، تدخل النائبة البرلمانية السيدة خديجة حجوبي، التي أضفت على الأجواء طابعا تفاعليا، من خلال مداخلتها التي جمعت بين الدفاع عن مطالب الصناع التقليديين والتعبير عن تشبثها بالثوابت الوطنية.

وفي معرض حديثها عن قضية الصحراء المغربية، عبرت حجوبي بلهجة وطنية مباشرة وبالدارجة المغربية عن موقفها قائلة: «الصحراء مغربية أحب من أحب وكره من كره»، مضيفة في سياق حديثها عبارة «مال هاذ جيرانا واش حماقو الله يعفو عليهم»، وهو ما أضفى على مداخلتها طابعا عفويا تفاعل معه الحضور.

وبالعودة إلى موضوع الصناعة التقليدية، أكدت النائبة البرلمانية أن المجلس الذي تنتمي إليه، بمختلف أعضائه ورئاسته، يدعم الصناع التقليديين والمعلمين في مطالبهم التي وصفتها بالمشروعة، معبرة عن استعدادها لمواكبتها إلى جانب غرفة الصناعة التقليدية والمديرية الجهوية وباقي المتدخلين.

كما شددت على ضرورة فتح آفاق جديدة أمام الشباب، من خلال العمل على إحداث شراكات مع وزارة التربية الوطنية والتعليم ومراكز التكوين المهني، بما يسمح بإدماج الحرف التقليدية ضمن مسارات التكوين والتأهيل، وتمكين الطاقات الشابة من إبراز قدراتها ومواهبها في هذا المجال.

وقدمت حجوبي شكرها لجميع المتدخلين الذين أتاحوا لها فرصة التعبير عن تعلقها بالصناعة التقليدية واعتزازها بها، مؤكدة تشبثها بجلالة الملك محمد السادس وبالتوجهات الملكية السامية، واعتزازها بوحدة التراب الوطني، ومشددة على أن قضية الصحراء المغربية لا تقبل المساومة أو المزايدة.

واختتم اللقاء بتوزيع تذكارات على أفراد عائلات المعلمين والصناع التقليديين الراحلين، في التفاتة رمزية حملت أكثر من دلالة، مفادها أن الاعتراف بأصحاب الحرفة لا ينبغي أن يقتصر على المنتوجات التي تركوها، بل يجب أن يمتد إلى الأيادي التي اشتغلت في الطين والنقش والزليج والفخار، وحافظت على أسرار هذه المهن ونقلتها إلى أبنائها والمتعلمين على أيديها.

وبين أجواء الاحتفاء والتكريم والنقاش حول مستقبل القطاع، يظل التحدي الأكبر هو تحويل هذه المبادرات إلى برامج عملية ومستدامة، تضمن تكوين جيل جديد من الصناع، وتفتح أمام المنتوج التقليدي المغربي آفاقا أوسع للتسويق والتعريف به وطنيا ودوليا.
فالصناعة التقليدية ليست مجرد نشاط اقتصادي أو حرفة يدوية، بل ذاكرة وطنية وهوية حضارية، وحمايتها مسؤولية مشتركة تستوجب تضافر جهود المؤسسات والمهنيين والفاعلين الإعلاميين والتربويين، حتى تظل هذه الكنوز المغربية حاضرة في حياة الأجيال القادمة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *