الفطرة التجارية جعلت رئيس حكومة ينحاز للسوق على حساب المواطن

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي


في سقطة سياسية وأخلاقية مدوية، لم يقف رئيس الحكومة في صف المواطن الذي يكتوي بنيران الغلاء، بل اختار أن يؤدي دور “الناصح الأمين” لفئة الشناقة والمضاربين، مصطفا إلى جانبهم بشكل يثير الاستغراب والاستياء. فبدل أن يوجه خطابه نحو حماية القدرة الشرائية للمواطن، انشغل بتحذير الوسطاء من مخاطر الاحتفاظ بالقطعان إلى آخر لحظة.

لم تكن عبارته الشهيرة “خرجوا تبيعوا خرفانكم دابا قبل ما يرخاصو” مجرد زلة لسان عابرة، بل بدت كأنها موقف محسوب يحمل في طياته انحيازا واضحا. فهذه الدعوة، في ظاهرها نصيحة، وفي باطنها إنقاذ لأرباح المضاربين، جاءت في وقت كان فيه المواطن ينتظر أن تشتغل آليات السوق لصالحه، وأن تنخفض الأسعار مع اقتراب نهاية الموسم.

غير أن ما حدث كان عكس ذلك تماما، إذ بدا وكأن رئيس الحكومة يسارع إلى قطع الطريق أمام أي احتمال لانخفاض الأسعار، وكأنه يخشى أن يستفيد المواطن البسيط من خروف بثمن معقول. هذا السلوك يعكس منطقا مقلوبا، يتستر خلف عبارة “هذا ما يريده المواطن”، في حين أن الحقيقة مغايرة تماما. فالمواطن يريد فعلا انخفاض الأسعار، لكنه لا ينتظر من رئيس حكومته أن يحذر المحتكرين من هذا الانخفاض أو أن يوجههم لتفادي الخسارة.

إن أخطر ما في هذا الخطاب ليس فقط مضمونه، بل الرسالة التي يحملها، وهي أن هناك من يخشى على أرباح الوسطاء أكثر مما يخشى على معاناة المواطنين. إنها سابقة مثيرة في المشهد السياسي، حيث يظهر مسؤول حكومي وكأنه يدافع عن جيوب الشناقة، بدل أن يكون صوتا لمن أثقلتهم تكاليف المعيشة.

ويزداد هذا التناقض وضوحا حين نستحضر ملف المحروقات، حيث تستمر الأسعار في الارتفاع، محرقة جيوب المواطنين، دون تدخل حقيقي أو إجراءات ملموسة لكبح جماحها. هذا الصمت، مقابل الحركية السريعة لحماية مصالح فئات بعينها، يطرح أكثر من علامة استفهام حول أولويات السياسات العمومية.

لقد سبق لمحللين أن أشاروا إلى أن رئيس الحكومة يتقن لغة التجارة أكثر مما يتقن فن السياسة، وأن حضوره في هذا المنصب لم يترجم إلى قرارات تخدم الصالح العام بقدر ما عزز شعورا عاما بالإخفاق. وفي ظل هذه المؤشرات، تتعزز قناعة لدى فئات واسعة بأن الأداء الحكومي الحالي يعد من بين الأضعف منذ الاستقلال، ليس فقط من حيث النتائج، بل أيضا من حيث الانحيازات التي أصبحت مكشوفة للعيان.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *