C.I.A وملفات الحكام العرب

رصد المغرب/مفيد نجم 

يعتبر الباحث والكاتب الصحافي المصري أنيس الدغيدي من الكتاب المهتمين بمتابعة القضايا السياسية المثيرة للجدل، من خلال البحث والتنقيب في خفايا الواقع السياسي العربي وإضاءة الزوايا المعتمة فيه، ما يميز كتاباته بالجرأة والمغامرة، ويعد كتابه الصادر مؤخراً تحت عنوان سري للغاية واحداً من تلك الأعمال الأكثر إثارة لهذا الجدل بوصفه يتناول قضية بالغة الحساسية تتعلق بموقف وكالة المخابرات المركزية الأميركية من عدد من الحكام العرب الذين لعبوا

وما زال بعضهم يلعب دوراً مهماً في رسم صورة المشهد السياسي العربي، وتحديد أبعاده ومساراته، الأمر الذي يجعل تناول تلك العلاقة والتداخل الحاصل بين الظاهر والمسكوت عنه في السياسة العربية وموقف وكالة المخابرات المركزية الأميركية منهم، طوال عقود طويلة حافلة بالأحداث الكبيرة أمرا مثيرا للكثير من التساؤلات الحرجة فيما يخص الحقيقة التي كانت تحرك تلك السياسة في تلك المرحلة ولم تزل بعد أن زاد التدخل الأميركي المباشر في قضايا المنطقة وفي رسم حاضرها ومستقبلها.

تكمن أهمية الكتاب في أمرين مهمين، أولهما أنه يعتمد على الوثيقة في استقراء الوقائع والأحداث بعد أن تمّ الكشف عنها من قبل الوكالة الأميركية، وثانيهما أن الكاتب يقدم الوقائع السياسية بوجهيها السلبي والايجابي للشخصية السياسية العربية التي يتحدث الكتاب عنها،

حيث تستوقفه الوقائع التي تكشف عنها تلك الوثائق، وتستدعي طرح الأسئلة المهمة حول الأسباب التي تدفع بتلك الأجهزة للاهتمام بالتفاصيل الخاصة بحياة بعض الحكام وماضيهم، لكن ذلك لا يمنع من القول إن الكاتب لا يوثق بصورة علمية لمصادره التي اعتمد عليها ويكتفي بالقول إن الوثائق تقول كذا وكذا، ما يقلل من مصداقية المعلومة على الرغم من العنوان الذي يشير إلى أن الكتاب يكشف عن وثائق الحكام العرب من خلال الوثائق التي تنشر لأول مرة.

تتحدث مقدمة الكتاب عن المكانة التي تتصدر فيها الولايات المتحدة صناعة تقنيات المعلومات على مستوى العالم، إضافة إلى امتلاكها لأهم جهاز مخابرات في العالم قادر على الوصول إلى كل مكان في العالم، ثم ينتقل مباشرة للحديث عن علاقة قادة منظمة التحرير مع الوكالة الأميركية بناء على ما قدمه الرئيس السابق لدائرة الشرق الأوسط في الوكالة في حوار نشر معه سابقاً.

يتحدث الكاتب عن العلاقة بين المخابرات المصرية والمخابرات الأميركية بدءا من عهد جمال عبد الناصر وحتى الوقت الراهن ولا يخفي الكاتب إعجابه بالدور الذي قامت به المخابرات المصرية فيما يتعلق بالصراع مع العدو الإسرائيلي وكشفها للكثير من محاولات الاغتيال المدبرة لإثارة الفتن الداخلية،

في حين يغفل الوجه الآخر للدور الذي لعبته هذه المخابرات على المستوى السياسي الداخلي، ويعرض من ثم لقصة اغتيال جمال عبد الناصر من خلال الشهادات التي يقدمها عدد من رجالات تلك المرحلة المقربين منه، على الرغم من أن المتهم فيها هو الاتحاد السوفييتي السابق.

ثم ينتقل للحديث عن الدور الذي لعبته الولايات المتحدة لصالح إسرائيل في حرب عام 1973 ليعود ليطرح سؤالا مثيرا حول أسباب احتفاظ المخابرات الأميركية بخصوصيات عبد الناصر ورسائله، وممتلكاته يوم رحيله ما يدل على غياب المنهج التاريخي الذي يمكن تناول الموضوعات على أساسه وفق التسلسل التاريخي لسنوات حكم تلك الشخصيات أو الأحداث التي يعرض لها،

كما يظهر الموقف الأيديولوجي المعادي للسياسة الأميركية في حين كان يمكن للمؤلف أن يترك لتلك الوثائق أن تقول الحقيقة كما هي رغم التحفظ الذي يمكن أن نبديه تجاهها لأن ما يفرج عنه من وثائق لا يعني أن ما تقوله صحيح وبعيد عن التوظيف السياسي.

ومن المعلومات المهمة التي تكشف عنها الوثائق المرتب البسيط الذي كان يتقاضاه الزعيم الراحل والذي لا يتجاوز حوالي أربعمئة جنيه وعدم امتلاكه لسكن خاص إضافة إلى عشر بدلات وثلاث كاميرات، كما تتحدث الوثائق عن محاولة اغتياله من قبل المخابرات البريطاني.

ثم ينتقل للحديث عن المخابرات المركزية الأميركية وموقعها في العالم وعن طبيعة نشأتها بالإضافة إلى الحديث عن أجهزة المخابرات الأميركية الأخرى ليصل إلى الملفات السرية للسادات وهذه المخابرات بما فيها نصوص المكالمات الهاتفية بينه وبين كيسنجر وبين كيسنجر وغولدا مائير ونصوص الاجتماعات التي عقدت في المرحلة التي تلت حرب أكتوبر عام 1973 والتي أدت إلى التسوية المصرية ـ الإسرائيلية،

كما تتحدث الوثائق عن الموقف الأميركي من تلك الحرب وما قامت به من تشجيع لإسرائيل لكي تخرق وقف إطلاق النار على الجبهة المصرية وتقوم بمحاصرة الجيش المصري الثالث لكي تضعف الموقف المصري، كذلك تعرض الوثائق لمراسلات الرئيس نيكسون والملك فيصل أثناء تلك المرحلة، وللخطة الأميركية لاحتلال منابع النفط بعد وقف الإمدادات عن أميركا وأوروبا أثناء تلك الحرب.

وتكشف الوثائق الأميركية عن رسالة موجهة إلى الإدارة الأميركية حول انعكاسات حرب عام 1967 على الوضع الليبي وعن القوى السياسية الفاعلة على تلك الساحة وتأثير ذلك السلبي على المصالح الأميركية فيها مما أدى إلى قيام تنسيق بريطاني أميركي كما يعرض الكتاب لقصة المفاوضات السرية بين ليبيا وأميركا وبريطانيا حول نزع ليبيا لأسلحة الدمار الشامل من أجل إنهاء العقوبات المفروضة على ليبيا، واستئناف العلاقات الدبلوماسية بينها وبين الولايات المتحدة.

ثم يتحدث الكاتب عن الوثيقة الأميركية التي تتضمن ضرب سوريا بعد العراق والتي حملت اسم ريتشارد بيل بهدف احتواء سوريا ومن ثم الهجوم عليها، في الوقت الذي يطلب فيه التقرير القيام بخطوات جديدة لإيجاد حل نهائي لمشكلات إسرائيل مع العرب عموما ومع الفلسطينيين خصوصاً.

ويعود الكاتب للحديث عن الحوارات التي كان يجريها وزير الخارجية الأميركي السابق كيسنجر مع غولدا مائير والرئيس السادات والرئيس حافظ الأسد بعد حرب اكتوبر 1973 حول فك الاشتباك بين مصر وسوريا وإسرائيل على جبهات القتال، وخفايا تلك المباحثات كما تكشف عنها تلك الوثائق السرية،

وفي مقدمتها التنازلات التي بدأ السادات بتقديمها لإسرائيل، لكنه ينتقل فجأة للحديث عن جهاز التجسس الحديث المسمى بالبرغوث والذي تستخدمه المخابرات المركزية الأميركية في التجسس على الدول العربية وهو جهاز عبارة عن مرسل صغير جداً يمكن تركيبه في أي كمبيوتر ويستطيع إرسال ما هو موجود في هذه الكمبيوترات إلى الأقمار الصناعية،

وقد تم اكتشافه لأول مرة عام 1997 ثم تسلم الموساد الإسرائيلي هذا الجهاز، كذلك يتحدث عن أشكال التجسس الأميركية الأخرى كالتجسس الفرويدي الذي يعتمد في تحليل المعلومات عند علماء النفس والأخصائيين النفسانيين لمعرفة الحالة النفسية للحكام العرب.

ومن الموضات الأخرى التي يتناولها الكتاب العلاقة بين صدام حسين والعراق والمخابرات الأميركية من خلال الوثائق التي تتحدث أيضا عن العلاقة بين الشيوعيين والبعثيين في منتصف سبعينات القرن الماضي وموقف إيران وبعض دول المنطقة من الأحداث التي تجري في العراق

وكذلك موقف أميركا من حزب البعث ومن يهود العراق وصولا إلى اتصالات صدام مع الأميركيين قبل احتلالهم للعراق من خلال وسيط لبناني على صلة وثيقة بالإدارة الأميركية، إضافة إلى الحديث عن قصة الانقلاب الذي خططت المخابرات الأميركية له ضد صدام ولم ينجح مما أدى إلى إعدام ثمانين ضابطا عراقيا.

ويفرد الكاتب الصفحات الأخيرة من الكتاب للحديث عن الإرهاب الأميركي في العراق ليعود من جديد إلى الحديث عن الصفحات السرية لصدام في الملفات الأميركية وعن وجود خطة أميركية لضرب العراق تعود إلى ثلاثة وعشرين عاما وهي عبارة عن تقرير كتبه ولفووتز مهندس الحرب على العراق والذي يعتبر فيه العراق هو أخطر دولة عربية على المصالح الأميركية.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *