مشروع رؤية اليسار الجديد المتجدد للإنسان المواطن: نحو سيادة معرفية وبناء تمثلات وطنية لمغرب الغد

رصد المغرب / منير الطاهري  (عضو التنسيقية الوطنية لتيار اليسار الجديد المتجدد)


في مواجهة الخطابات التبسيطية التي تختزل الحالة المغربية في “طبيعة” متخلفة أو قدر تاريخي لا فكاك منه، يطرح اليسار الجديد المتجدد نفسه كأفق فكري وسياسي يرفض هذا المنطق القدري، انطلاقا من أرضيته التأسيسية: الإنسان المغربي ليس معطى نهائي يجب التعامل معه بعيوبه ونقائصه وقبول مستوى وعيه بالمؤسسات والمواطنة ، لأنه نتاج شروط تاريخية قابلة للتغيير، وبالتالي فإن إعادة بنائه هي المدخل الحقيقي لأي تحول ديمقراطي ومجتمعي.

في هذه الأرضية الفكرية، سيبلور التيار في المحورين الثاني والخامس حول الوضع الوطني والأداة الحزبية منطلقاته المبدئية لتشخيص الوضع الوطني مؤكدا أنه لا يمكن الحديث عن انتقال ديمقراطي حقيقي دون بناء إنسان مواطن، واع متعلم، منخرط في مجتمعه ويمتلك أدوات الفهم والنقد والإبداع. وهو ما يقتضي خوض معركتين متلازمتين: معركة ضد أعطاب النظام السياسي، ومعركة داخل المجتمع لتحرير الإنسان من تمثلاته المحدودة ومن ثقافة الاستسلام والانتهازية وتعزيز صموده وتأطير احتجاجاته السلمية

لقد أخطأ اليسار حين اختزل الصراع في مواجهة “الآخر” السياسي وتغاضى عن أن هذا الآخر يجد امتداداته داخل المجتمع نفسه في أشكال التفكير والسلوك والقيم. فغياب المشروع المجتمعي لدى النخبة لا يمكن فصله عن هشاشة القاعدة الاجتماعية، لكن هذه الهشاشة ليست قدرا وإنما نتيجة سياسات واختيارات قابلة للتغييرمن خلال فعل سياسي وطني عقلاني متجدد ومستقل.

نحن اليوم أمام مرحلة انتقالية معقدة، حيث يتآكل الوهم حول “الانتقال الديمقراطي السلس”، وتظهر على السطح تكتلات القوى المهيمنة، بما فيها الشبكات المالية فوق الوطنية، التي تدير مصالحها ببراغماتية قاسية. في المقابل، يعيش المواطن المغربي حالة قلق مريب وصمت مقلق في غياب تنظيمات قوية تؤطره ومؤسسات وساطة سياسية نقابية ومدنية تمنحه الأمل، فيجد نفسه بين فضاء المقهى وأفيون كرة القدم وخيارات الاغتناء السريع والحلول الانتهازية في فضاء مغلق قد يستدرج فيه نحو تفسيرات تبسيطية لأزماته وأحيانا باسم الدين.

الأرضية تطرح سؤال “ما العمل؟” في محاورها السبع كسؤال تاريخي لأدوار اليسار اليوم مركزا على مداخل أستسية للتغيير ولاسيما منها:

1-الحراك المجتمعي وحرية الاحتجاج كرهان أساسي لصياغة المطلبية الاجتماعية ونقلها نحو النضال المؤسساتي.

2- المدرسة العمومية كرافعة للسيادة المعرفية حيث تحتل المدرسة العمومية موقعا استراتيجيا كفضاء للتعليم وكمشروع وطني لإعادة بناء المجتمع. وفي هذا الإطار فإن تعميم الباكالوريا يصبح خيارا سياسيا لرأب التصدع المجتمعي بين فئات الشعب وتقويم الكفاءة الوطنية على أساس الاستحقاق وخلق جيل متعلم يمتلك أدوات المعرفة الحديثة.

وفي ذلك يعتقد التيار أن إنتاج أجيال من المهندسين، والأطباء، والأساتذة الباحثين، والمفكرين هو عنوان للسيادة المعرفية، وضمان لاستقلال القرار الوطني. فالدولة التي لا تنتج نخبها العلمية والفكرية، وأدويتها وغداءها ولوجيستيكياتها التقنية تظل رهينة للخارج.

3- الجيل الجديد والذي يعيش مفارقة حادة تبرز من خلال انفتاح غير مسبوق عبر الوسائط الرقمية، مقابل ضعف في التأطير المعرفي والنقدي. ما يجعل هذا الجيل مهدد بالضياع إذا لم تتدخل المدرسة، والإعلام، والحزب، والمثقف لتوجيهه.

4- داء الانتهازية: والحاجة إلى مشروع قيمي وطني جامع، والحالة هذه أن هذا المأزق لم يعد مقتصرا على النخب السياسية ولكنه بدأ ينتشر في مختلف الفئات، كآلية للتكيف مع واقع مختل. لذلك تركز أرضية التيار على مواجهة هذه الانتهازية لأنها تفرغ العمل السياسي من مضمونه وتعمق فقدان الثقة بين المواطنين

وبالتالي وجب مواجهتها أخلاقيا بمبادئ الثبات على الموقف و سياسيا وتربويا، عبر إعادة الاعتبار لقيم الالتزام، والمصلحة العامة، والعمل الجماعي.

5- الإعلام: وخاصة السمعي البصري، يتحمل مسؤولية كبيرة في تشكيل وعي المواطن. غير أن جزءا كبيرا منه اليوم يساهم في نشر التفاهة والرداءة، ويضعف القدرة النقدية للمجتمع.

لذلك يعتقد اليسار الجديد المتجدد أن الحاجة ماسة لإعلام وطني لتعزيز نباهة المواطن واستقلالية تفكيره، إعلام يسمح بفتح نقاش عمومي وطني حول القضايا الكبرى ومحاربة ثقافة الاستهلاك السطحي والتفاهة.

6- المثقف: في خضم ذلك كيف يمكن نقل المثقف المغربي من العزلة إلى الفعل والتوجه نحو المجتمع بلغة مفهومة، دون التفريط في العمق. دور المثقف اليوم حاسم في التحول السوسيولوجي لأنه يقوم بتحويل المعرفة إلى قوة اجتماعية.

7-الحزب السياسي: آلية حاسمة لتحقيق انتقال اجتماعي وتنمية الوعي الجماعي للجماهير، وفي ذلك تجد الأحزاب التقدمية نفسها اليوم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في التعايش مع شروط النظام وتبرير الواقع، أو العودة إلى الجماهير، وتبسيط المشروع المجتمعي لبناء أدوات تنظيمية فعالة ومستقلة. لذلك يطرح التيار في محور خامس تصوره للأداة الحزبية كحزب مؤطر ومندمج مع التنسيقيات الشعبية المواطناتية.

 اليسار الجديد المتجدد لا يرى في الأزمة المغربية قدرا حتميا وإنما لحظة تاريخية لإعادة البناء وبالتالي فإن معركة المستقبل ليست فقط معركة مؤسسات ولكنها معركة وعي وتمثلات. يجب أن تتكامل فيها أدوار المدرسة، والإعلام، والمثقف، والحزب، في خدمة الجيل الجديد.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *