المسألة أعمق من تضامن عابر: دفاع عن الإرث النضالي ومعنى التنظيم الديمقراطي

رصد المغرب / الحسين فخر الدين  (عضو تيار اليسار الجديد المتجدد)


ليست القضية اليوم تضامنا مع الرفيق الحروني أو الرفيق آزم أو فرع إنشادن في حدّ ذاته. فالأسماء، مهما كان وزنها النضالي، ليست سوى علامات على طريقٍ أطول وأعمق. إنّ المسألة في جوهرها دفاع عن إرث نضالي راكمته أجيال من المناضلات والمناضلين منذ تجربة حركة 23 مارس، مرورا بمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وصولًا إلى المدرسة الفكرية والسياسية التي جسدها المجاهد محمد بن سعيد آيت إيدر، وتضحيات الشهيد عبد السلام المودن.

ذلك الإرث لم يكن شعارات معلقة، بل كان مشروعا تاريخيا واضح المعالم: دمقرطة الدولة، ودمقرطة المجتمع. مشروع اختزلته يافطات كبرى من قبيل السيادة الشعبية، فصل السلط، استقلال القضاء، و”يسود ولا يحكم”. كانت هذه الشعارات تعبيرا عن رؤية متكاملة لبناء دولة الحق والقانون، ومجتمع المواطنة والكرامة.

لكن السؤال المؤلم اليوم: أين نحن من كل ذلك؟

كيف انتقلنا من تنظيمٍ كان يعتبر الاختلاف مصدرا للغنى والتراكم، إلى واقع يدار فيه الاختلاف بمنطق الاصطفاف والإقصاء؟ كيف تحوّلت الضوابط التنظيمية، التي وُجدت لضمان الديمقراطية الداخلية، إلى أدواتٍ لتأديب المخالفين وتطويق المبادرات ومحاصرة التيارات؟

لقد كان التنظيم، في تقاليد اليسار الديمقراطي، فضاءا للنقاش الحر والصراع الفكري المشروع. لم تكن القوانين التنظيمية يومًا سوطا يرفع في وجه من يختلف، بل كانت إطارا ضامنا لتعايش الاختلاف داخل وحدة المشروع. أما حين تتحول النصوص إلى وسائل للمواجهة، فإننا نكون قد انتقلنا من منطق السياسة إلى منطق الضبط الإداري، ومن روح الديمقراطية إلى عقلية التدبير السلطوي.

إن الانحطاط الحقيقي لا يكمن في وجود اختلاف داخل التنظيم، بل في الفشل في تدبيره. فالقيادة التي تعجز عن احتواء تيار يحمل مشروعا ورؤية، وتلجأ بدل ذلك إلى منطق المواجهة، تكشف — دون قصد — عن أزمة أعمق: أزمة ثقة في الذات، وأزمة فهم لمعنى التنظيم الديمقراطي.

إن الاختلاف داخل الأحزاب الحية ليس عيبا، بل هو دليل عافية. أما تحويله إلى معركة كسر عظام، فهو مؤشر على شيخوخة سياسية مبكرة، وانفصال تدريجي عن روح المشروع الذي تأسس عليه التنظيم.

ليست القضية إذن قضية أشخاص، بل قضية معنى. معنى الانتماء إلى تقليد نضالي طويل، معنى الوفاء لتضحيات من دفعوا حريتهم وحياتهم ثمنا لمشروع الديمقراطية، معنى أن يبقى التنظيم فضاءا للسياسة لا ساحة للتصفية.

إن الدفاع عن هذا الإرث اليوم هو دفاع عن فكرة التنظيم الديمقراطي نفسها. هو دفاع عن حق الاختلاف داخل الوحدة، وعن أولوية السياسة على الإدارة، وعن الروح على النص.

فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا بصدق ليس: من المخطئ؟ بل: هل ما نعيشه اليوم يليق بتاريخنا؟ وهل ينسجم مع الشعارات التي رفعناها طويلا في وجه السلطوية خارج التنظيم، ثم بدأنا — بوعي أو بدونه — نمارس بعضا من ملامحها داخله؟

حين يصبح التنظيم عاجزا عن تدبير اختلاف بسيط، فكيف يمكنه أن يدعي القدرة على المساهمة في دمقرطة الدولة والمجتمع؟

إن اللحظة الراهنة ليست لحظة اصطفاف، بل لحظة مراجعة. مراجعة تعيد الاعتبار لجوهر المشروع، لا لتفاصيل الصراع. مراجعة تعيد للتنظيم روحه، قبل أن تبحث في قوانينه. مراجعة تعيد الاعتبار للسياسة، قبل الانضباط.

لأن الوفاء الحقيقي لـ23 مارس، ولمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، ولمحمد بن سعيد، ولعبد السلام المودن، لا يكون بترديد أسمائهم، بل باستحضار المعنى الذي عاشوا وناضلوا من أجله: تنظيم ديمقراطي، يحتمل الاختلاف، ويصونه، ويحوّله إلى قوة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *